وأما الإمام الصنعاني فقد سلكَ مسلكًا آخر؛ وهو مسلك الجمع؛ فقَبِلَ الروايات كلها، ووَجَّهها بأنَّ المتوضِّئ مخيَّرٌ في عضو الرأس بين أن يمسح مرَّة أو مرَّتين أو ثلاثًا - كما نقلنا نصَّ كلامه -.
-رأي الباحث:
الذي أراه هو رأي الجمهور؛ وهو: القول بعدم سُنِّيَّة التكرار في المسح؛ لأنَّ أكثر الروايات التي وردَ فيها وصفُ وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء فيها أنَّه - صلى الله عليه وسلم - مسحَ رأسه مرَّة واحدة فقط، مع أنَّ العدد بالنسبة لبقيَّة الأعضاء مصرَّح فيها بأنَّه ثلاث؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ ذِكر تثليث المسح في الرواية التي ذُكِرَ فيها شاذٌّ:
قال الإمام أبو داود [1] :"أحاديث عثمان - رضي الله عنه - الصِّحاح كلها تدلُّ على مسح الرأس أنَّه مرَّة" [2] .
وقال ابن عبد الهادي [3] :"... ولم يذكروا التكرار في مسح الرأس؛ وهو الصواب" [4] .
(1) هو: أبو داود، سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شدَّاد، الأزدي، السجستاني، الإمام الحافظ المحدِّث، صاحب «السُّنَن» وغيرها، ماتَ سنة 275 هـ. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، 13/ 203، وابن حجر، تقريب التهذيب، مرجع سابق، (2533) .
(2) أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، مرجع سابق، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، 1/ 26.
(3) هو: أبو عبد الله، شمس الدِّين، محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، المقدسي، الجماعيلي الأصل، ثم الدمشقي الصالحي، الإمام الحافظ، الفقيه الحنبلي، صاحب: «المحرَّر» في الحديث، و «العقود الدُّرِّيَّة في مناقب شيخ الإسلام ابن تيميَّة» ، و «الصارم المُنكِي في الرد على السُّبكي» ، وغيرها من المصنَّفات. تُوفِّي بظاهر دمشق سنة 744 هـ. انظر: ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق، 18/ 466، والزركلي، الأعلام، مرجع سابق، 5/ 326.
(4) ابن عبد الهادي، شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق، تحقيق: سامي بن محمد جاد الله وعبد العزيز بن ناصر الخباني، ط 1، (الرياض: أضواء السلف، 1428 هـ-2007 م) ، 1/ 201.