وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الزِّئْبَقُ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْجَامِدِ [1] .
كَمَا اسْتُثْنِيَ فِي قَوْلٍ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الزَّيْتُ وَالسَّمْنُ وَسَائِرُ الأْدْهَانِ وَقَالُوا: إِنَّهَا تَطْهُرُ بِالْغَسْل قِيَاسًا عَلَى الثَّوْبِ" [2] "
-رأي الباحث:
أرى أنَّ ما ذهب إليه ابن الأمير الصنعاني هو الراجح؛ وذلك أنَّ هذا المائع طاهر حلال باقٍ على أصله، وما دام أنَّه باقٍ على أصله، فيبقى في حكمه على أصله؛ إذ إنَّه لم يأتِ بتحريمه أو نجاسته نصٌّ صحيحٌ صريحٌ.
وغاية ما في الأمر هنا: أنَّ نجاسةً لاقت طاهرًا، وقد ثبت لنا - كما قال الإمام ابن حزم -"يقينًا أنَّ الطاهر لا ينجس بمجرَّد ملاقاة النجس، وأنَّ النجس لا يطهر بملاقاة الطاهر، وأنَّ الحلال لا يحرم بملاقاة الحرام، والحرام لا يحلُّ بملاقاة الحلال؛ بل الحلال حلال كما كان، والحرام حرام كما كان، والطاهر طاهر كما كان، والنجس نجس كما كان، إلاَّ أن يَرِد نصٌّ بإحالة حكم من ذلك؛ فسمعًا وطاعة، وإلا فلا" [3] .
وهذا هو ما اختاره جماعةٌ من المحقِّقين؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -؛ فَقد سُئِلَ عَن الزَّيْتِ إذَا كَانَ فِي بِئْرٍ وَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ - مِثْلُ الْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَنَحْوِهِمَا -، وَمَاتَا فِيهِ؛ فَمَا الْحُكْمُ إذَا كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ؟ وَإِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الزَّيْتِ أَوْ اللَّبَنِ؛ فَمَا الْحُكْمُ فِيهِ؟
(1) ابن قدامة المقدسي، المغني، مصدر سابق 1/ 37.
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية، صادر عن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت، الطبعة: (من 1404 - 1427 هـ)
(3) المرجع السابق، 1/ 136.