إنه لما استحال مِنْهُ عز وجل الأمر بالمعصية لأنه سبحانه كريم حكيم لا يليق بكرمه وَحِكْمَتِهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ عدوه إبليس أَنْ يستفز عِبَادَهُ، فإن الأمر في الآية مَحْمُولٌ عَلَى الإقدار والتمكين، فَصَارَ الْمَعْنَى أني أمكنتك وَأَقْدَرْتُك عَلَى تهييجهم ودعائهم إلى الشر [1] ، و"لو ورد هذا الخطاب مبتدئا عاريا عن دلالة الحال لكان ظاهره يقتضي إباحة جميع الأفعال وهو في هذه الحال وعيد وزجر بخلاف ما يقتضيه حكم اللفظ المطلق العاري عن دلالة الحال" [2] ، وهذا من السياق الخارجى.
12 -قوله صلى الله عليه وسلم:"مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" [3] ، قال الحافظ ابن حجر:"ومعنى قوله أتبع فليتبع، أي أحيل فليحتل ... والأمر في قوله فليتبع للاستحباب عند الجمهور ووهم من نقل فيه الإجماع وقيل هو أمر إباحة وإرشاد وهو شاذ وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر على ظاهره وعبارة الخرقي: ومن أحيل بحقه على ملئ فواجب عليه أن يحتال" [4] ، فإذا أحال المدين دائنه على شخص ثالث مليء ليستوفي منه دينه، فالقول باستحباب قبول الحوالة على المليء هو المتجه، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وكثير من العلماء حتى وهم البعض فحكى الإجماع، إلى أن الأمر في الحديث مصروف عن الوجوب إلى الاستحباب لاعتبار حال المحيل، فالتخفيف عنه والتيسير عليه بتحويل الحق عنه وترك تكليفه التحصيل بالطلب من الإحسان المستحب، وهذا من التغير بالسياق الخارجي.
(1) كشف الأسرار للبخاري 2/ 151.
(2) الفصول للجصاص 1/ 50.م: عجيل جاسم النشمي - ن: وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت- ط: الأولى، 1405 ه.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2287.
(4) فتح الباري لابن حجر 4/ 465.