أَفْطَرَ" [1] ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ بِهَذَا مَنْ صَامَ الْأَيّامَ الْمُحَرّمَةَ فَإِنّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ أَرَأَيْت مَنْ صَامَ الدّهْرَ؟ [2] وَلَا يُقَالُ فِي جَوَابِ مَنْ فَعَلَ الْمُحَرّمَ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ فَإِنّ هَذَا يُؤْذِنُ بِأَنّهُ سَوَاءٌ فِطْرُهُ وَصَوْمُهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقَبُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ فَعَلَ مَا حَرّمَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ الصّيَامِ فَلَيْسَ هَذَا جَوَابًا مُطَابِقًا لِلسّؤَالِ عَنْ الْمُحَرّمِ مِنْ الصّوْمِ وَأَيْضًا فَإِنّ هَذَا عِنْدَ مَنْ اسْتَحَبّ صَوْمَ الدّهْرِ قَدْ فَعَلَ مُسْتَحَبّا وَحَرَامًا وَهُوَ عِنْدَهُمْ قَدْ صَامَ بِالنّسْبَةِ إلَى أَيّامِ الِاسْتِحْبَابِ وَارْتَكَبَ مُحَرّمًا بِالنّسْبَةِ إلَى أَيّامِ التّحْرِيمِ وَفِي كُلّ مِنْهُمَا لَا يُقَالُ"لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ"فَتَنْزِيلُ قَوْلِهِ عَلَى ذَلِكَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ. وَأَيْضًا فَإِنّ أَيّامَ التّحْرِيمِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالشّرْعِ غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلصّوْمِ شَرْعًا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللّيْلِ شَرْعًا وَبِمَنْزِلَةِ أَيّامِ الْحَيْضِ فَلَمْ يَكُنْ الصّحَابَةُ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ صَوْمِهَا وَقَدْ عَلِمُوا عَدَمَ قَبُولِهَا لِلصّوْمِ وَلَمْ يَكُنْ لِيُجِيبَهُمْ لَوْ لَمْ يَعْلَمُوا التّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ لِلتّحْرِيمِ. شَكّ فِيهِ أَنّ صِيَامَ يَوْمٍ وَفِطْرَ يَوْمٍ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ الدّهْرِ وَأَحَبّ إلَى اللّهِ. وَسَرْدُ صِيَامِ الدّهْرِ مَكْرُوهٌ فَإِنّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَكْرُوهًا لَزِمَ أَحَد ثَلَاثَةِ أُمُورٍ مُمْتَنِعَةٍ أَنْ يَكُونَ أَحَبّ إلَى اللّهِ مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَفِطْرِ يَوْمٍ وَأَفْضَلُ مِنْهُ لِأَنّهُ زِيَادَةُ عَمَلٍ وَهَذَا مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الصّحِيحِ. إن أَحَبّ الصّيَامِ إلَى اللّهِ صِيَامُ دَاوُد وَإِنّهُ لَا أَفْضَلَ مِنْهُ. وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا فِي الْفَضْلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ أَيْضًا وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا مُتَسَاوِيَ الطّرَفَيْنِ لَا اسْتِحْبَابَ فِيهِ وَلَا كَرَاهَةَ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ إذْ لَيْسَ هَذَا شَأْنُ الْعِبَادَاتِ بَلْ إمّا أَنْ تَكُونَ رَاجِحَةً أَوْ مَرْجُوحَةً وَاَللّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتّةَ أَيّامٍ مِنْ شَوّالٍ فَكَأَنّمَا صَامَ الدّهْرَ [3] ، وَقَالَ فِيمَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ إنّ ذَلِكَ يَعْدِلُ صَوْمَ الدّهْرِ. [4] وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنّ صَوْمَ"
(1) أخرجه النسائي برقم 2374.وصححه الألباني وأصله في مسلم.
(2) أخرجه مسلم برقم 1162.
(3) أخرجه أبو داود برقم 2433. وصححه الألباني.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1976.