الدّهْرِ أَفْضَلُ مِمّا عُدِلَ بِهِ وَأَنّهُ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ وَثَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الصّائِمِينَ حَتّى شَبّهَ بِهِ مَنْ صَامَ هَذَا الصّيَامَ. قِيلَ نَفْسُ هَذَا التّشْبِيهِ فِي الأمر الْمُقَدّرِ لَا يَقْتَضِي جَوَازَهُ فَضْلًا عَنْ اسْتِحْبَابِهِ وَإِنّمَا يَقْتَضِي التّشْبِيهَ بِهِ فِي ثَوَابِهِ لَوْ كَانَ مُسْتَحَبّا وَالدّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ فَإِنّهُ جَعَلَ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ بِمَنْزِلَةِ صِيَامِ الدّهْرِ إذْ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ مَنْ صَامَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا حَرَامٌ قَطْعًا فَعُلِمَ أَنّ الْمُرَادَ بِهِ حُصُولُ هَذَا الثّوَابِ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي صِيَامِ سِتّةِ أَيّامٍ مِنْ شَوّالٍ إنّهُ يَعْدِلُ مَعَ صِيَامِ رَمَضَانَ السّنَةَ ثُمّ قَرَأَ: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [1] فَهَذَا صِيَامُ سِتّةٍ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا تَعْدِلُ صِيَامَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ بِالِاتّفَاقِ بَلْ قَدْ يَجِيءُ مِثْلُ هَذَا فِيمَا يَمْتَنِعُ فِعْلُ الْمُشَبّهِ بِهِ عَادَةً بَلْ يَسْتَحِيلُ وَإِنّمَا شَبّهَ بِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ إمْكَانِهِ كَقَوْلِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهَدُ أَنْ تَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ وَأَنْ تَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ؟ [2] وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا مُمْتَنِعٌ عَادَةً كَامْتِنَاعِ صَوْمِ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتّينَ يَوْمًا شَرْعًا وَقَدْ شَبّهَ الْعَمَلَ الْفَاضِلَ بِكُلّ مِنْهُمَا يُزِيدُهُ وُضُوحًا: أَنّ أَحَبّ الْقِيَامِ إلَى اللّهِ قِيَامُ دَاوُد [3] وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللّيْلِ كُلّهِ بِصَرِيحِ السّنّةِ الصّحِيحَةِ وَقَدْ مَثّلَ مَنْ صَلّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَالصّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ بِمَنْ قَامَ اللّيْلَ كُلّهُ [4] فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ؟ مَنْ صَامَ الدّهْرَ ضُيّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنّمُ حَتّى تَكُونَ هَكَذَا وَقَبَضَ كَفّهُ وَهُوَ فِي"مُسْنَدِ أَحْمَدَ" [5] قِيلَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ. فَقِيلَ ضُيّقَتْ عَلَيْهِ حَصْرًا لَهُ فِيهَا لِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَمْلِهِ عَلَيْهَا
(1) {الأنعام/160}
(2) أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2785.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه برقم 1131.
(4) أخرجه أحمد برقم 409. قال شعيب الأرنؤوط: صحيح وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن فيه انقطاعا.
(5) أخرجه أحمد برقم 19728. قال شعيب الأرنؤوط: موقوفه صحيح.