غيرَ المُرادةِ، ويقطَعُ الطّريقَ عَلى المَقاصِدِ المُغرِضةِ التي لمْ يُردْها الشّارعُ الحكيمُ ولم يَرُمْها، ويُصحِّحُ ما اعوجَّ من أساليبِ التّطبيقِ؛ كاقْتِطاعِ النّصِّ من سِياقِه والاسْتدلالِ به مَعْزولًا عن مُحيطِه الذي نزلَ فيه، هذِه الأساليب التي أخرجتِ النّصوصَ عن مَقاصِدِها العُليا ودَفعَت بِها إلى وُجوهٍ من المَعاني والاسْتِنباطاتِ البعيدةِ، ظاهرُها حقٌّ، وباطنُها باطلٌ وجَورٌ.
فدلالة اللفظ في كل موضع هي بحسب سياقه، بل إنه يتفاوت في دلالته وأدائه الجمالي تبعا لتغاير السياقات التي استخدم فيها، فالكلمة الواحدة كما قال القاضي عبد الجبار"إذا استعملت في معنى تكون أفصح منها إذا استعملت في غيره"
وأنكر الزركشي رحمه الله على من أنكر دلالة السياق قائلا:"دلالة السياق أنكرها بعضهم، ومن جهل شيئا أنكره. وقال بعضهم: إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى. وقد احتج بها أحمد على الشافعي في أن الواهب ليس له الرجوع من حديث"العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"حيث قال الشافعي: هذا يدل على جواز الرجوع. إذ قيء الكلب ليس محرما عليه، فقال أحمد: ألا تراه يقول فيه:"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته"الحديث. و هذا مثل سوء فلا يكون لنا، واحتج بها في أن المراد بأنه استيعابهم واجب، وسياق الآية يدل على الأول بقوله تعالى":ومنهم من يلمزك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون"فإن الله تعالى لما رأى بعض من لا يستحق الصدقة يحاول أن يأخذ منها، ويسخط إذا لم يعط يقطع طمعه ببيان أن المستحق لها غيره، وهم الأصناف الثمانية" [1]
(1) البحر المحيط للزركشي 8/ 54، 55.