وقال:"الرابع: دلالة السياق؛ فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير". [1]
كما بين رحمه الله أن السياق يمكن أن يدل على العلية قائلا"فَمِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ: كَيْ، وَاللَّامُ، وَإِذَنْ، وَمِنْ، وَالْبَاءِ، وَالْفَاءِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ: أَجَلْ، وَجَرَّاءُ، وَعِلَّةٌ، وَسَبَبٌ، وَمُقْتَضًى، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمِنْ أَفْعَالِهِ: عَلَّلْت بِكَذَا، وَنَظَرْت كَذَا بِكَذَا، ثُمَّ قَدْ يَدُلُّ السياق فِي الدلالة عَلَى الْعِلِّيَّةِ، كَمَا دَلَّ عَلَى غَيْرِ الْعِلِّيَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُحْتَمِلًا فَيُعَيِّنُ السياق أَحَدَ الْمُحْتَمَلَيْنِ". [2]
وحكى رحمه الله الْفَرْق بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِالْقَرَائِنِ وَالتَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ عن ابن دقيق العيد قَائلا:"قال: وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْك التَّخْصِيصُ بِالْقَرَائِنِ بِالتَّخْصِيصِ بِالسَّبَبِ، كَمَا اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ بِالسَّبَبِ غَيْرُ مُخْتَارٍ، فَإِنَّ السَّبَبَ وَإِنْ كَانَ خَاصًّا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُورَدَ لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [3] ، وَلَا يَنْتَهِضُ السَّبَبُ بِمُجَرَّدِهِ قَرِينَةً لِرَفْعِ هَذَا، بِخِلَافِ السياق فَإِنَّ بِهِ يَقَعُ التَّبْيِينُ وَالتَّعْيِينُ، أَمَّا التَّبْيِينُ فَفِي الْمُجْمَلَاتِ، وَأَمَّا التَّعْيِينُ فَفِي الْمُحْتَمَلَاتِ، وَعَلَيْك بِاعْتِبَارِ هَذِهِ فِي أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمُحَاوَرَاتِ تَجِدُ مِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُك حَصْرُهُ قَبْلَ اعْتِبَارِهِ". [4]
كما تناول رحمه الله مَسْأَلَةٌ هَلْ يُتْرَكُ الْعُمُومُ لِأَجْلِ السياق قائلا"يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِ"
(1) البرهان في علوم القران للزركشي 2/ 200، 201.
(2) البحر المحيط للزركشي 4/ 167.
(3) {المائدة/38}
(4) البحر المحيط للزركشي 2/ 511.