تحريم الضرب ونصية ذلك، بسياق المقال من قوله تعالى {فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [1] ، لأن ظاهر السياق يفيد تحريم قول أف للوالدين. وبالنظر إلى سباق الآية ولحاقها يظهر تحريم الشتم والضرب منصوصا عليه، لأن هذا النهي الوارد في الآية جاء في سياق الأمر بالبر، والنهي عن العقوق، والاستحثاث على رعاية حقوق الوالدين كما يقول الجويني.
وينكر إمام الحرمين على الذين يعتقدون عزة النصوص، وندرتها، ويرجع هذا الاعتقاد إلى عدم إحاطتهم بالقرائن الحالية (سياق الحال) ، والمقالية (سياق المقال (وهذا يدل على الأثر الكبير لدلالة السياق بنوعيها: المقالي والمقامي، من وجهة نظر الإمام الجويني.
ونجد الإمام الغزالي يسير على منوال شيخه، في إعمال دلالة السياق، ومراعاتها في معالجة المسائل الأصولية، فكثيرا ما يعتمد الغزالي على القرائن في تفسير النصوص، ويشير إلى ذلك بقوله:"ويكون طريق فهم المراد، تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة. ثم إن كان نصا لا يحتمل، كفى معرفة اللغة، وإن تطرق إليه الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ"
هكذا يقرر الغزالي أثر سياق النص في دفع الاحتمال، وبيان المراد من الكلام. ثم يكشف -رحمه الله - عن أقسام السياق بقوله:"والقرينة: إما لفظ مكشوف، كقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [2] ، والحق: العشر. وإما إحالة على دليل العقل كقوله تعالى {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [3] ، ... وإما قرائن أحوال: من إشارات ورموز، وحركات، وسوابق ولواحق، ولا تدخل"
(1) {الإسراء/23}
(2) {الأنعام/141}
(3) {الزمر/67}