وهذه المسألة فرع على مسالة أخرى، وهي: هل تضاعف الحسنات والسيئات بالحرم المكي؟
ثم المفاضلة بين طلب مضاعفة الحسنات بالمكوث في حدود الحرم، وتجنب ارتكاب السيئات بالإقامة خارج الحرم، وأيهما أولى؟
وعليه فهذا المطلب يتضمن مسألتان:
الأولى: مضاعفة ثواب الصلوات في الحرم.
الثانية: مضاعفة السيئات في الحرم.
اتفق أهل العلم على أن أجر الصلاة [1] مُضاعف في المسجد الحرام. فالصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" [2] ."
(1) -وقد اختلفوا: هل الصلاة في المساجد تعم الفرض والنفل أو تخص الأول؟ وذلك على قولين:
القول الأول: التفضيل يختص بالفرض دون النفل. وهو مذهب الحنفية ومشهور مذهب المالكية. قال الطحاوي: وهو مختص بالفرض، وأن فعل النوافل في البيت أفضل من المسجد الحرام (شرح معاني الآثار 3/ 127) . وقال ابن رشد: أراد بذلك الصلاة في الجماعة (البيان والتحصيل 1/ 405) .
القول الثاني: المضاعفة لا تختص بالفريضة بل تعم النفل والفرض. وهو مذهب الشافعية. قال النووي: واعلم أن مذهبنا أنه لا يختص هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين بالفريضة بل يعم الفرض والنفل جميعا (النووي على شرح مسلم 9/ 164) .وقال الحنابلة أن هذه الأفضلية خاصة بالرجال أما النساء فالأفضل لهن الصلاة في بيوتهن (انظر: أضواء البيان 5/ 547) ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم:"لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن" (رواه أحمد 9/ 337 رقم 5468, ومسلم 1/ 327 رقم 442 - وأبوداود 1/ 155 رقم 567) . قال الصنعاني: ولا يخفى أن لفظ الصلاة المعروف فاللام الجنس عام فيشمل النافلة إلا أن يقال: إن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يتبادر منه إلا الفريضة فلا يشملها. (انظر: سبل السلام 1/ 599) . والأقرب أن الفضل في الزيادة يعم النفل الذي صلاته في المسجد أفضل كقيام رمضان وتحية المسجد. وما كان الأفضل فيه البيت، ففعله في البيت أفضل كالرواتب ونحوها (انظر: الشرح الممتع 6/ 514) . وقد اتفق الفقهاء على أن التضعيف المذكور يرجع إلى الثواب ولا يتعدى إلى الإجزاء, فلو كان عليه صلاتان فصلى في أحد المسجدين (المسجد الحرام أو المسجد النبوي) صلاة لم تجزئ إلا عن واحدة. (انظر: شرح السيوطي على مسلم 3/ 428 - شرح الزرقاني على موطأ مالك 1/ 669) .
(2) - متفق عليه: صحيح البخاري: كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة 2/ 10 رقم 1190 - صحيح مسلم, كتاب: الحج, باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة 2/ 1012 رقم 1394.