الأثر: عن أبي نَجِيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: إن الذي يأكل كراء بيوت مكة إنما يأكل في بطنه نارا [1] .
وهذا الأثر فيه مسألة، وهي: حكم تأجير بيوت مكة [2] .
وهي مسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم. وهذا الخلاف مبني على خلاف آخر، وهو: هل فُتحت مكة عَنْوة [3] أو أخذت بالأمان؟ [4] .
تحرير محل النزاع:
اتفقوا على أن مواضع المناسك، كأماكن الطواف والسعي والرمي حُكمها حكم المساجد بغير خلاف. قال ابن عَقِيل [5] : والخلاف في غير مواضع المناسك، أما بقاع المناسك كموضع السعي والرمي، فحكمه حكم المساجد، بغير خلاف [6] .
(1) - تاريخ مكة للأزرقي 2/ 136 - الأموال لابن زنجويه 1/ 204 رقم 245 - أخبار مكة للفاكهي 3/ 216 رقم 2002 - سنن الدارقطني 4/ 13 رقم 3016 - السنن الكبرى للبيهقي 6/ 58 رقم 1185 - مصنف بن أبي شيبة 3/ 330 رقم 14684. قال الألباني-رحمه الله: وهذا إسناد ضعيف؛ عبيد الله بن أبي زياد، وهو القداح، ومحمد بن أبي السري، وهو ابن المتوكل؛ ضعيفان. وابن إسرائيل؛ لم أعرفه (السلسلة الضعيفة 5/ 208 رقم 2186) . قلت: لكن له شاهد من رواية ابن جريج عن عطاء بنحوه، ذكره ابن حجر في المطالب العالية 6/ 405 رقم 1209.
(2) -ويتفرع عليه في العصر الحاضر حكم تأجير فنادق مكة وخيام منى.
(3) - عَنْوة: هو من عنا يعنو-بفتح العين-إذا ذل وخضع. و"العَنْوة"في كلام العرب لها مَعْنَيان متضادان: القهْر في عُنْف، والصُلْح في رِفْق. وقولهم: فُتِحَتْ مَكَّةُ عَنْوَةً، أَي: قَهْرًا عَلَى وَجْهِ عَنَاءِ أَهْلِهَا. (غريب الحديث للخطابي 1/ 579 - لسان العرب 15/ 101، مادة: ع ن و) .
(4) - المقدمات لابن رشد 3/ 406، وليس هذا هو سبب الخلاف الوحيد، لكن هناك أسباب أخرى سترد بالتفصيل لاحقا.
(5) -علي بن عَقِيل البغدادي، أبو الوفاء، المشهور بابن عقيل (ت:513 هـ) : شيخ الحنابلة, كان قويّ الحجة. له تصانيف أعظمها"كتاب الفنون", بقيت منه أجزاء، وهو في أربعمائة جزء (تاريخ بغداد 21/ 146 - سير أعلام النبلاء 14/ 333 - الوافي بالوفيات 21/ 218) .
(6) - نقله هذا الاتفاق ابن قدامة و صاحب الشرح الكبير عن ابن عقيل الحنبلي. انظر: المغني 4/ 197 - الشرح الكبير 4/ 20.