فإذا كان الماء جاريا غير دائم وأصابته نجاسة فإنه طهور أيا كان مقداره سواءً زاد أو قل عن القلتين. وإذا كان هناك أثر لهذه النجاسة فأن الماء قادر بجريانه وسريانه أو النبع في أصله أن يتخلص من هذه النجاسة, والله أعلم.
الأثر: ورد في ذلك عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - رويتان:
الأولى: يتوضأ وضوءه للصلاة: فعن شَريك بن خليفة [1] ، قال: قلت لعبد الله بن عمرو: آكل وأنا جنب، قال: توضأ وضوءك للصلاة [2] .
الثانية: ألا يزيد على غسل كفيه [3] .
والمسألة خلافية من وجهين:
الوجه الأول: الخلاف في حكم وضوء الجنب قبل النوم أو الأكل أو معاودة الوطء: هل يجب أم يندب؟
وسبب الخلاف [4] في حمل الأمر في قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله: أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"توضأ واغسل ذكرك، ثُم نِم" [5] .
(1) - شَريك بن خليفة، التميمي: كان من الأزارقة (فرقة من الخوراج تنتسب إلى نافع بن الأزرق الخارجي) . وثقه ابن معين وغيره (انظر: تاريخ ابن معين الدوري 4/ 82 - التاريخ الكبير للبخاري 4/ 238 - الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة لا بن قُطْلُوْبَغَا 5/ 240) .
(2) - الأوسط 2/ 92 رقم 609. بسند رجاله ثقات.
(3) - الأوسط 2/ 92 رقم 610, رواه ابن المنذر غير مسند.
(4) - بداية المجتهد 1/ 48, بتصرف.
(5) - متفق عليه عن ابن عمر: صحيح البخاري, كتاب: الغسل, باب: غسل المذي والوضوء منه 1/ 56 رقم 292 - صحيح مسلم, كتاب: الحيض, باب: جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، وغسل الفرج إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع 1/ 249 رقم 306. أما الحكمة في ذلك، فقد اختلفوا فيها: فقيل إنه وضوء يخفف الحدث، فعن شداد بن أوس مرفوعا: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة (مصنف ابن أبي شيبة 1/ 62 رقم 663، رجاله ثقات) . وقيل حكمته أنه ينشط إلى العود أو إلى الغسل إذا بل أعضاءه لقوله - صلى الله عليه وسلم:"فأنه أنشط للعود" (مسند أحمد 17/ 253 رقم 11162 - صحيح ابن حبان 4/ 12 رقم 1211 - المستدرك 1/ 154 رقم 542, وصححه الحاكم, ووافقه الذهبي- السنن الكبرى للبيهقي 1/ 314 رقم 985. قلت: الحديث صحيح(انظر: صحيح الجامع وزياداته 1/ 110) . وقيل: الحكمة أن يبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه، لما روته ميمونة بنت سعد، قالت: قلت: يا رسول الله، هل يأكل أحدنا وهو جنب؟ قال: لا يأكل حتى يتوضأ، قالت: قلت: يا رسول الله، هل يرقد الجنب؟ قال:"ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ، ويحسن وضوءه، وإني أخشى أن يتوفى، فلا يحضره جبريل - عليه السلام -":رواه الطبراني في الكبير 25/ 36 رقم 65, وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد 1/ 275 رقم 1497.