أولا: ترجع قلة مروياته في دواوين السنة، والتي منها أحاديث الصحيفة، بالدرجة الأولى، إلى طبيعة حياة عبد الله نفسه وقلة التحمل عنه، التي منها إقامته بمصر بخلاف أبي هريرة وغيره من الصحابة الذين أقاموا بالحجاز والعراق والشام والتي كان إقبال التابعين وغيرهم لطلب العلم عليها أكثر من غيرها من الأمصار.
ثانيا: حرص عبد الله على هذه الصحيفة حرصا شديدا؛ ومنع غيره من الاطلاع عليها، وقد أتيح لمجاهد بن جبر أن يرى هذه الصحيفة عند عبد الله [1] ، ولم تكن رؤية مجاهد لها إلا عَرَضا. فلم تتوفر منها إلا النسخة الأصلية التي كتبها عبد الله، وتوارثها آل بيته، ورواها عمرو بن شعيب [2] .
ثالثا: قول بعض المتقدمين بأنها وجادة ربما زهد كثيرا من الأئمة في حديث عمرو بن شعيب؛ فَقَلتْ الرواية عن هذه الصحيفة [3] .
يُعتبر عمرو [5] بن شعيب [6] من الرواة الذين تضاربت فيهم أقوال المحدثين قبولا وردا، توثيقا وتضعيفا. ولعل مرد ذلك إلى روايته (عن أبيه عن جده) التي هي في
(1) -سبق, ص 47.
(2) - سبق وأن ذكرنا أنه كان لها نسخة أخرى كتبها تلميذة شُفي بن ماتع. لكن ابنه حسين بن شُفي فقدها مبكرا، ولم يتسنى له روايتها، ومن ثم اعتبرنا نسخة شُفي بن ماتع وكأنها معدومة.
(3) - سنن الترمذي 2/ 139 رقم 322 - معرفة السنن والآثار 1/ 404 - المحلى 6/ 7,182,71/ 530 - توضيح الأفكار للصنعاني:291.
(4) - وجه دخول هذا المطلب -هنا-مع أنه مبحث حديثي أصلا-هو: أن هذه الرواية هي أشهر طرق حديث عبد الله بن عمرو. كما أنه الطريق الوحيد لرواية صحيفة عبد الله بن عمرو -كما سنرى. إضافة إلى ذلك فإن الفقه بمعناه الأوسع لا يقتصر على القضايا العملية الفرعية بل يتعدى ذلك فيشمل كل الإطار المعرفي للفقيه بما فيه إحاطته بالسنة دراية ورواية، وذلك على مذهب المتقدمين، فقد كان لقب"فقيه"لا يختص، فحسب، بمن يعرف الأحكام الفرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. إنما يتعداه إلى باقي فروع المعرفة الشرعية.
(5) - عمرو بن شعيب بن محمد السهمي، أبو إبراهيم (ت: 90 هـ) : قال الأوزاعي: ما رأيت قرشيا أكمل منه. وقال الذهبي: كان أحد علماء زمانه. توفي بالطائف. (انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 1/ 120 - تاريخ دمشق 46/ 75 - تهذيب الكمال 22/ 64 - تاريخ الإسلام 3/ 228) .
(6) - شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، السهمي القرشي. سكن الطائف، وحدث عن: جده، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية. واختلف في سماعه من أبيه محمد، ولم يختلف أولو المعرفة في سماعه من جده. (ترجمته في: الطبقات الكبرى لابن سعد 5/ 187 - تهذيب التهذيب 4/ 356 - تاريخ دمشق 23/ 116 - تاريخ الإسلام 2/ 942) .