غزاها بعد إسلامه، ولا يظن به أنه تخلف عن أي منها، إلا لعذر. ولقد حفظت لنا مروياته - رضي الله عنه - وكذلك كتب التاريخ والسير، ما يؤكد مشاركته في كثير من تلك الغزوات. وبحسبه مشاركته في أعظم فتوح الإسلام، فتح مكة، قال - رضي الله عنه: لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح, قام في الناس خطيبا, فقال:"يا أيها الناس, إنه ما كان من حلف في الجاهلية, فإن الإسلام لم يزده إلا شدة" [1] . وشهد-كذلك-غزوة حُنَيْن، وكانت من أشدَ الغزوات على المسلمين وطأةً بعد موقعة أُحُد, فعن مِقْسَم أبي القاسم [2] ، قال: خرجت أنا و تَليد بن كِلاب الليثي [3] , حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت، مُعلقا نعليه بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يكلمه التميمي يوم حنين؟ قال: نعم. أقبل رجل من بني تميم، يقال له: ذو الخُويْصرة [4] ، فوقف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهو يعطي الناس، قال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أجل، فكيف"
(1) - بعض من حديث رواه أحمد في المسند 11/ 587 رقم 7012. وهو حديث حسن، روى الترمذي, أبواب: السير, باب: ما جاء في الحلف 3/ 198 رقم 1585. قريبا منه (من دون ذكر أن ذلك كان في فتح مكة) : من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب، وقال الترمذي: حسن صحيح. وله شاهد من حديث جبير بن مطعم في صحيح مسلم (كتاب: الفضائل, باب: مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه رضي الله تعالى عنهم 4/ 1961 رقم 2530) .
(2) - مِقْسَم بن بُجْرة، أبو القاسم: تابعى ثقة، قيل له صحبة. روى له الجماعة سوى مسلم (انظر: تهذيب التهذيب 10/ 289 - الإصابة 6/ 162) . والمقصود بـ"الجماعة"هم أصحاب الكتب الستة: البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي, و أبو داود, وابن ماجة.
(3) - تَليد بن كِلاب، المدنى، من بني سعد بن ليث. روى له النسائى. (انظر: الإصابة 1/ 498 - تهذيب التهذيب 8/ 451) .
(4) -ذو الخُوَيْصِرة التميمي (ت 37 هـ) : هو حُرقوص بن زهير , من بني تميم. خاصم الزبير فأمر النبي صلى الله عليه وسلّم باستيفاء حقه منه. وأمره عمر بن الخطاب بقتال (الهُرمزان) فاستولى على سوق الأهواز ونزل بها. ثم شهد صفين مع عليّ. وبعد الحكمين صار مع الخوارج، فقتل فيمن قتل بالنهروان. (انظر: أسد الغابة 2/ 214 - تاريخ الإسلام 1/ 407 - الأعلام للزركلي 2/ 173) .