قلت: وهو الراجح، وذلك لسببين:
الأول: لأنه جزم بهذا التاريخ، بعد حكايته الأقوال المختلفة في تاريخ الوفاة. في حين شك غيره، أو رواها بصيغة التمريض [1] .
الثاني: أن الحافظ الذهبي من المحققين من أهل الحديث, الذين لهم عناية بضبط وَفَيات الرواة؛ لأجل إثبات أو نفي تاريخ السماع واللقاء؛ بغرض الحكم على الأحاديث صحةً أو ضعفًا, في حين أن كثيرا من المؤرخين ليست لهم تلك العناية, وقد يعتمد غالبهم جمع الأقوال دون تحقيق.
أما مكان وفاته:
فالراجح أنه مات بمصر، ودفن ببيته؛ لأن مَرْوان بن الحكم [2] حاصر الفُسطاط [3] في تلك السنة؛ ليضمها إلى الشام بعد أن دعا لنفسه بالخلافة على إثر موت معاوية بن يزيد [4] وانقطاع الخلافة عن بيت معاوية. فلما امتنع الموالون لابن
(1) - وتُسمى كذلك:"صيغ التضعيف"، وهي صيغة في الرواية توحي بأن الراوي لا يصحح الخبر الذي يرويه، مثل قولهم: قيل، ويُروى، ويُحكى، وبلغنا .... إلخ. وهي بخلاف"صيغ الجزم"التي يُفهم منها تصحيح الراوي للخبر الذي يرويه، مثل قولهم: قال، وحَكى، ورَوى ... إلخ (انظر: النكت على ابن الصلاح 1/ 245 - توضيح الأفكار للصنعاني 2/ 82 - الوسيط في علوم ومصطلح الحديث لمحمد أبي شُهبة 253) .
(2) - مَرْوان بن الحكم بن أبي العاص ابن أمية (ت: 65 هـ) : خليفة أموي. إليه ينسب (بنو مروان) ودولتهم (المَرْوانية) . ولد بمكة، ونشأ بالطائف. ولما اعتزل معاوية بن يزيد الخلافة دعا مروان إلى نفسه، فبايعه أهل الشام (انظر: أسدالغابة 4/ 139 - تاريخ الطبري 7/ 34) .
(3) - عاصمة مصر زمن الفتح الإسلامي: سميت بالفسطاط لأنهم ابتنوها حول فسطاط (خيمة) عمرو بن العاص، ثم اتسعوا في البلد فاختطوا على النيل، وبنى عمرو بن العاص مسجد جامعها ودار إمارتها، وهي حي من أحياء القاهرة حاليا. انظر: البلدان لليعقوبي 186. وانظر كذلك كتاب (الفسطاط: النشأة ... الازدهار ... الانحسار) لخالد عز العرب، دار الآفاق العربية, 1998 م.
(4) - معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (ت: 64 هـ) : بويع بالخلافة بدمشق بعد وفاة أبيه, ثم اعتزلها بعد أشهر قليلة. ومات بعد قليل وهو ابن 23 سنة. توفي بدمشق، ولا عقِب له. (ترجمته في: الكامل لابن الأثير 4/ 51 - تاريخ الطبري 7/ 16 - البدء والتاريخ 6/ 16) .