فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 108

أما كلام البشر جميعا سوى النبي صلى الله عليه وسلم فليس بحجة لذاته لأنه يتطرق إليه الخطأ إذ إنه غير معصوم، قال الإمام مالك رحمه الله:"كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر".

وقال الإمام الشافعي رحمه الله:"من تبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وافقته، ومن خلط فتركها خالفته حتى صاحبي، الذي لا أفارق: الملازم الثابت مع رسول الله وإن بعد، والذي أفارق: من لا يقل بحديث رسول الله وإن قرب". [1]

-كلام الصحابي وفعله اُختلف في حجيته، فذهب الإمام أحمد والبخاري إلى حجيته ما لم يثبت خلافه، فإن ثبت خلافه تخيَّر ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة [2] ، والشافعي إلى حجيته ولكن دون السنة [3] ، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه حجة ولكن مع التخيير [4] ، وذهب الإمام ابن حزم والجويني والغزالي إلى عدم حجية كلام الصحابي وفعله. [5]

وأما القول الوسط في ذلك هو: أن كلام الصحابي وفعله حجة بشرطين، وهما:

الأول: إذا كان كلام الصحابي وفعله موافقا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه لو خالف لَرُدَّ لعصمة قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله.

الثاني: إذا لم يكن في المسألة كلام وهدي للنبي صلى الله عليه وسلم فيؤخذ بكلام الصحابي وفعله مع تحري الأقرب للصواب من بين الأقوال.

-عليك أن تعلم جيدا بأن كلام الجمهور ليس راجحا دائما، فلربما كان الراجح مع غيرهما، فالحق ليس حكرا على أحد دون غيره، فالمعتمد هو الدليل لا رأي الرجال، وإذا تتبعت المسائل وجدت الراجح في بعضها مع غير الجمهور، مثل ابن تيمية وابن حزم وغيرهما، فلقد قيل: اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضا، ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا.

وإذا نظرت إلى القرآن وجدت ذلك جليا بأن قبول الحق حتم لازم والانقياد له واجب، إذ إنه سمة تميز أهل السنة عن غيرهم، ففي كتاب الله تعالى قد أكد الله وصدق على كلام بلقيس يوم أن كانت على غير الإسلام، قال الله على لسانهم:"قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوا وجعلوا أعزة أهلها"

(1) انظر مناقب الشافعي للبيهقي 1/ 485.

(2) المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد لبكر بن عبد الله أبو زيد 1/ 154، دار العاصمة بجدة، الطبعة الأولى، وآراء الإمام البخاري الأصولية لسعد الشثري ص 16، والمغني لابن قدامة 4/ 163، مختصر التحرير في أصول فقه السادة الحنابلة لابن النجار ص 34.

(3) الرسالة للشافعي ص 596، مكتبة الحلبي - مصر، الطبعة الأولى.

(4) إعلام الموقعين لابن القيم 4/ 123، وأخبار أبي حنيفة للصيمري ص 24، عالم الكتب - بيروت، الطبعة الثانية، والمعتمد في أصول الفقه لمحمد بن علي الطيب البصري 2/ 366، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص 445، شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة الأولى.

(5) التلخيص في أصول الفقه للجويني 2/ 128، دار البشائر الإسلامية - بيروت، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي 4/ 149، المكتب الإسلامي بيروت، والمستصفى للغزالي ص 168، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى. والمحلى لابن حزم 1/ 51، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت