كان وصف النطفة به باعتبار ما تشمل عليه النطفة من أجزاء مختلفة الخواص، (فلذلك يصير كل جزء من النطفة عضوا) فوصف النطفة بجمع الاسم للمبالغة أي شديدة الاختلاط.
وهذا ما ذهب إليه الآلوسي حيث قال (إن أمشاج هو صفة لنطفة ووصف بالجمع وهي مفردة لأن بها مجموع ماء الرجل والمرأة ... أو باعتبار الأجزاء المختلفة فيهما رقة وغلطا وصفرة وبياضا وطبيعة وقوة وضعفا حتى أختص بعضها ببعض الأعضاء على ما أراده الله تعالى بحكمته فخلق بقدرته ... والحاصل أنه نزل الموصوف بمنزلة الجمع ووصف بصفة أجزائه.
ومنهم من جوز وصف المفرد بالجمع كما قال العكبري (وجاز وصف الواحد بالجمع هنا لأنه كان في الأصل متفرقاً ثم جمع: أي نطفة أخلاط.
أما القاسمي فقد ذكر الوجهين بقوله: (من نطفة أمشاج) أي ذات أخلاط، وهي موادها المؤلفة منها جمع مَشَج أو مشيج. كسبب وأسباب، ونصير وأنصار، أو مفرد، كبرمة أعشار (البرمة القدر. وأعشار أي منكرة كأنها صارت عشر قطع.
وكلا الوجهين يشير إلى أن النطفة مكونة من أمشاج فعند من قال الأمشاج مفردا كان المصطلح واضحا عند مفسري القرآن الكريم الأوائل مما جعلهم يقولون: النطفة مفردة لكنها في معنى الجمع.
ويمكن للعلم اليوم أن يوضح ذلك المعنى الذي استدل عليه المفسرون من النص القرآني. فكلمة (أمشاج) من الناحية العلمية دقيقة تماماً وهي صفة جمع تصف كلمة نطفة المفردة، التي هي عبارة عن كائن واحد يتكون من أخلاط متعددة تحمل صفات الأسلاف والأحفاد لكل جنين.
جاء في سورة (المؤمنون) : (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) . وفي سورة المرسلات: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ) .
ذكرنا معنى القرار لغة في قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً) .