ذكرنا سابقاً أن (المرج) يأتي بمعنى الخلط وهو ما فسرنا به الآية السابقة من خلط مياه العذبة بالمياه المالحة دون امتزاجها وتأتي أيضاً بمعنى خلط مياه البحرين الملحين دون امتزاجهما كما ذكرنا في مياه باب المندب أما المعنى الثاني للمرج فيدل على مجيء وذهاب واضطراب كما ذكر ابن فارس في مادة مرج وهذا ما يطابق حال هذا الحاجز الذي ذكرناه في باب المندب حيث يلتقي البحر الأحمر بالمحيط الهندي (فوجدوا أن هناك خطاً واحداً يفصل بين الماءين) . ولكن هذا الخط أو الحاجز غير ثابت فمرة يذهب إلى الشرق ومرة إلى الغرب حسب هبوب الرياح الموسمية وإذا حدث مد عاد الحاجز إلى وضعه الأول وإذا حدث جزر تحرك الحاجز ذهاباً وإياباً واضطرب) فهذا الحاجز غير ثابت فهو مضطرب، كما في (مرج) الدالة على الذهاب والإياب والاضطراب.
وفي قوله تعالى هنا (البحرين) جاءت على تثنية كلمة (بحر) وقد ذكرنا اختلاف أقوال المفسرين في هذه الآية فمنهم من يرى أن المقصود بهما البحرين العذب والملح ومنهم من يرى مرج الملح بالملح وقد خصص بعضهم ذلك ببحر الروم وبحر فارس كما ذكرنا والذي يبدو أنها تحتمل أيضاً أن تكون (أل) في قوله (البحرين) ال الجنسية فهي منطبقة على جميع البحار ويبدوا أيضاً أن البحرين هنا المقصود بهما الملحان دون التقاء الملح بالعذب وذلك بدلالة السياق المتأخر للسورة وهو قوله تعالى (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) فهما موجودان في البحار المالحة على أن البعض قال بوجود اللؤلؤ في المياه العذبة كما عثر على محارة (الأنيو) وكثير من أنهار أوربا وأمريكا الشمالية وكذا الحال مع المرجان وإن كان الغالب يستخرج من ماء المالح.
على أن البعض الآخر ينكر ذلك يقول الدكتور عبد الرحيم العبادي: (وهذه الحقيقة - الحاجز بين البحرين قد ثبتت في البحار المالحة، لا البحار العذبة كما فهم بعض المفسرين حسبما بدا لهم، والدليل على ذلك قوله تعالى(يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) فالمرجان حيوان بحري ولا يستخرج إلا من البحر، ولم يثبت أنه يعيش في الأنهار البتة. ومشاهدة اللؤلؤ والمرجان في البحار المالحة لا يخفى على أحد في الماضي والحاضر) وهذا يدل على أنهما بحران مالحان نظراً لطبيعة نوع الحيوان الذي يعيش فيه.
وقد ذكر العكبري أن قوله تعالى: (يخرج منهما) قالوا التقدير من أحدهما. ولا يخلو هذا الكلام من التكلف وعدم التقدير أولى من التقدير.