وقال ابن عاشور: إن كان المراد بالبحرين: بحرين معروفين من البحار المالحة تكون (من) في قوله (منهما) ابتدائية لأن اللؤلؤ والمرجان يكونان في البحر الملح. وإن كان المراد بالبحرين: البحر الملح، والبحر العذب كانت (من) في قوله منهما للسببية كما في قوله تعالى (فمن نفسك) ، أي يخرج اللؤلؤ والمرجان بسببهما، أي بسبب مجموعهما. أما اللؤلؤ فأجوده ما كان في مصب الفرات على خليج فارس، قال الرماني لما كان العذب كالقاح للماء الملح في إخراج اللؤلؤ، قيل: يخرج منهما كما يقال: يتخلق الولد من الذكر والأنثى.
وقال القاسمي إنما قيل (منهما) مع أنه يخرج من أحدهما، وهو الملح، لأنه لامتزاجهما يكون خارجاً منهما حقيقة، أو أنه نسب لهما ما هو لأحدهما، كما يسند إلى الجماعة ما صدر من واحد منهم .. ومثله (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) وإنما أريد أحدى القريتين. وكما يقال: هو من أهل مصر وإنما هو من محلة منهما.
وذكر القاسمي أيضاً أن الشهاب قال: ولا يخفى أن هذا، وإن اشتهر، خلاف الظاهر فإما أن يكون ضمير منهما بحري فارس والروم، أو يقال معنى خروجه منهما ليس أن المتكون فيهما، بل أنهما يحصلان في جانب من البحار أنصبّت إليها المياه العذبة.
والذي يبدو أن التفسير العلمي يطابق التأويل الأول لقول الشهاب على أن البحرين الملحين غير معينين كما ذكرنا فهذا الظاهر من الآية من غير اللجوء إلى التأويل والمشهور خروج اللؤلؤ والمرجان من البحر الملح دون العذب. وعلى هذا تكون الآية قد أضافت علوماً جديدة - وهي الحاجز بين البحرين المالحين - إضافة إلى علمنا بوجود حاجز بين البحرين الملح والعذب التي أشارت إليها الآية السابقة وهذا الأسلوب معروف في القرآن الكريم فقد يورد القرآن قصة يذكر جانباً منها ويذكرها مرة أخرى مع ذكر جوانب أخرى تنساق مع سياق السورة التي وردت فيها هذه الجوانب ولم يكن قد ذكرها سابقاً ومن مجموع الآيات نحصل على كل مشاهد تلك القصة. وكذا في آيات البحار فقد أورد في آيات ظاهرة مرج البحرين العذب والملح وفي هذه الآية البحرين الملحين.
وفي قوله تعالى (وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً) ذكر الحاجز بين البحرين مجرداً كأنه تلخيص للبرزخ وليس هذا موضع بيان كما في سورة الفرقان وغيرها.