فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 376

إلى آخر يكون له تأثير على سرعة دورانها. والجبال هنا هي الأوتاد التي تمنع قشرة الأرض من المَيَدَان أي الترنح والاهتزاز أثناء حركتها.

الضابط اللغوي في التفسير العلمي:

(والجبال أوتادا) عطف على (الأرض مهاد) فالواو عاطفة (الجبال) على (الأرض) وعاطفة (أوتاد) على (مهاد) وهذا من عطف على معمولي عامل واحد وهو وارد في الكلام الفصيح وجائز باتفاق النحويين لأن حرف العطف قائم مقام العامل.

وفي قوله تعالى (والجبال أوتادا) تشبيه بليغ وهذا التشبيه المحذوف منه أداة التشبيه يسميه علماء البيان من أجل ذلك التشبيه البليغ، لأنه يجعل المشبه عين المشبه به توكيدا للشبه الشديد بينهما ينبغي أن يكون في ذلك هادياً إلى أطراف المعنى من ناحيته، من ناحية الدلالة على القدرة وكما لها، ومن ناحية الهداية إلى الحكمة وجلالها. وأطراف المعنى إنما تتبين من تعدد أوجه الشبه بين الجبال والأوتاد، تعددا يدل على مجاوزته المألوف في كلام الناس إذا بالغوا في تشبيه. إن التشبيه البليغ هنا هو من قبل الله سبحانه، ثم هو تشبيه للأعلى بالأدنى، وللفخم الرائع بالضئيل الممتهن عند الناس، فليس هو شيء من تهويل الناس ومبالغتهم في تشبيهاتهم البليغة، ولكنه دليل إلى أمور في الجبال هي من آيات الله في الخلق، تناظرها أمور يعرفها الناس في الأوتاد على عظم الفرق بين الجانبين في النسبة والمقدار.

فكأن ذلك التشبيه العجيب مفتاح أو مصباح يستكشف به المجهول من أمر الجبال، عن طريق المعروف من نظائر لها في الأوتاد. والجبال فيما يتبادر إلى الذهن تشبه الأوتاد من ناحية البروز عن سطح الأرض، وناحية الرسوخ فيها، لكن التشابه والتناظر بينهما أشمل وأدق من هذا. كما وجدنا في النظرة العلمية لهذه الآية من جوانب كثيرة. كما يختلف هذا التشبيه كل حسب زمانه وعلمه فالصورة التي يتخيلها العامي غير الصورة التي يراها العالم وعالم الجغرافية لا يراها كما يراها عالم الفلك فالألفاظ القرآنية قد وضعت وضعاً بحيث أن لكل كلام بل لكل كلمة بل لكل حرف بل حتى السكون أحياناً وجوهاً كثيرة جداً، تمنح كل مخاطب حظه ونصيبه من أبواب مختلفة، كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف أن لكل أية ظهرٌ وبطن وحدٌ ومطلعٌ، ولكل شجون وغصون وفنون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت