وفي قوله تعالى (والجبال أوتادا) نجد لفظ هذه الآية تحمل وجوهاً للمخاطبين فالعامي حصته منها أنه يرى الجبال كالأوتاد المغروزة في الأرض كما هو ظاهر أمام عينيه، والشاعر حصته منها أنه يتخيل الأرض سهلاً منبسطاً وقبة السماء عبارة عن خيمة عظيمة ضربت على الأرض وزينت الخيمة بمصابيح وأن الجبال تتراءى وهي تملأ دائرة الأفق وتمس قممها أذيال السماء وكأنها أوتاد تلك الخيمة العظيمة، والبدوي يتصور سطح الأرض كالصحراء واسعة وكأن سلاسل الجبال سلسلة ممتدة لخيم بأنواع شتى والجغرافي يرى كرة الأرض عبارة عن سفينة تمخر عباب بحر المحيط الهوائي وأن الجبال أوتاد دقت على تلك السفينة للتثبيت والموازنة .. ) وهكذا. وإذا عدنا إلى التشبيهات العلمية على وجه الخصوص نجد لفظ الأرض يختلف معناه حسب التشبيه المراد تصويره فيمكن أن يراد بالأرض القارات فتكون أل التعريف في الأرض جنسية وأن هذه الجبال كالأوتاد تثبت هذه القارات كي لا تميد بأهلها ويمكن أن يراد بالأرض الكرة الأرضية السابحة في الفضاء فتكون أل التعريف هنا للعهد (فالعلم الحديث أثبت أن للأرض قشرة تمسك جوفها المشتعل وهذه القشرة لن تمسك شيئاً لولا ثباتها وتماسكها الذي لا يأتي إلا بالجبال التي تفعل فعل الأوتاد والمسامير، وتحافظ على توازن القشرة الأرضية التي هي بدورها ميزان دقيق وحساس مركب) فكثير من الجبال تتكون من اصطدام قارتين أو انزلاق قاع المحيط تحت القارة وباستمرار تحرك قاع المحيط تحت القارة يكشط المزيد من الرسوبيات البحرية بالتدريج عن اللوح الهابط وتضاف إلى سلسلة الجبال المتكونة فوق طرف القارة. فالمقصود من الأرض هنا جميع القارات فوق غلافها الصخري وقيعان المحيطات لأن تلك الألواح الصخرية تطفو في نطاق الضعف الأرضي وبدوران الأرض حول محورها تنزلق تلك الألواح عليه بسرعة فائقة يعين عليها اندفاع الصهارة الصخرية عبر صدوع الأرض ... وإن هذه الجبال تعمل على تثبيت الغلاف الصخري بقوة ... وتثبيت تلك الألواح الصخرية في مكانها بالاتجاه إلى الأسفل فتطفو في نطاق الضعف الأرضي ... ولتثبيت الكوكب ككل.
كذلك أخذ بعض المفسرين العلميين في استنباط معاني وصور جديدة من ذلك التشبيه القديم بالخيمة وهو التصور العربي الأصيل لكي تكتمل الصورة عنده وتتوضح معالمها أكثر من الاقتصار على صورة الوتد دون معرفة الفائدة منه في هذه الصورة القديمة وهو حفظ هذه الأوتاد للغلاف الجوي الذي يشبه بالخيمة الحافظة كما ذكر منصور حسب النبي. وهنا يمكن القول أن كل هذه المعاني والصور