وهكذا فإن كلمة (قرار) قد استعملت في القرآن الكريم لكل المعاني العلمية التي ذكرناها وقد وصف القرآن هذا القرار بالمصدر ليشمل كل هذه المعاني بهذا الوصف الدقيق المعجز فهو لفظ معبر جامع.
أما قوله مكين فهو على وزن فعيل ومعلوم أن هذا الوزن يدل على المبالغة فكما علمنا أنه يقع في وسط الجسم، وفي مراكز الحوض وهو محاط بالعظام والعضلات والأربطة إلى غيرها من الأسباب التي تدل على أنه مكين أما على قول أبي حيان (لتمكن من يحل فيه) فكما هو معلوم في اللغة مجيء الفعيل بمعنى مفعول كما يقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فرجيم فعيل بمعنى مفعول أي مرجوم فالمعنى في هذه الآية أن المكين بمعنى متمكنٌ منه وهذا العدول يدل على شدة تلك الصفة فالجنين متمكن أشد الإمكان في هذا القرار. وهذا أيضاً لفظ جامع معبر عن كل المعاني التي تبين تمكن الرحم وتثبيته في جسم الأم. وكذلك تمكنه في حفظ الجنين في داخله وكذلك تمكن الجنين في هذا القرار.
وهكذا فإن كل وصف يتضمن العلاقة بين الجنين والرحم وبين الرحم وجسم الأم، قد أدخل في معنى الكلمتين (قرار) و (مكين) اللتين تعبران تعبيراً تاماً عن حقيقة الرحم ووظائفه الدقيقة. وهذا يدل على إعجاز القرآن الكريم اللغوي الذي مكنه بهذا الإيجاز الشديد أن يختزن كل هذه العلوم ليشير إلى جانب إعجازه البلاغي إعجازه العلمي الدقيق.
قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً .. ) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ .. ) . وقال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ