ثبت للعلماء أن معظم الأحياء وبضمنها النبات تتألف من ذكر وأنثى حتى النباتات التي كان مضنونًا أن ليس لها من جنسها ذكور تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة أو متفرقة في العود، ولا توجد الثمرة إلا بعد عملية التقاء وتلقيح بين زوج النبات، كما هو الشأن في الحيوان والإنسان سواء.
يقول ابن عاشور: قوله ومن كل الثمرات عطف على (أنهارا) فهو معمول (لجعل فيها رواسي) ودخول من على (كل) جرى الاستعمال العربي في ذكر أجناس غير العاقل كقوله (وبث فيها من كل دابة) .
و (من) هذه تحمل على التبعيض لأن حقائق الأجناس لا تنحصر والموجود منها ما هو إلا بعض جزيئات الماهية لأن منها جزيئات انقضت ومنها جزيئات ستوجد. والمراد بـ (الثمرات) هي وأشجارها. وإنما ذكرت"الثمرات"لأنها موقع منه مع العبرة كقوله: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَات) فينبغي الوقف على ومن كل الثمرات) وبذلك انتهى تعداد المخلوقات المتصلة بالأرض. وهذا أحسن تفسيرًا وبعضده نظيره في قوله تعالى (يُنبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) .
وقيل إن قوله: (من كل الثمرات) ابتداء كلام وتتعلق"من كل الثمرات"بـ (جعل فيها زوجين أثنين) وبهذا فسر أكثر المفسرين. ويبعده أنه لا نكتة في تقديم الجار والمجرور على عامله على ذلك التقدير. لأن جميع المذكور محل اهتمام فلا خصوصية للثمرات هنا. وأيضًا فيه فوات المنة بخلق الحيوان وتناسله مع أن معظم نفعهم ومعاشهم. ومما يقرب ذلك قوله تعالى في نحو هذا المعنى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) المعروف أن الزوجين هما الذكر والأنثى (فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى) والظاهر أن الجملة (جعل فيها زوجين) مستأنفة للاهتمام بهذا الجنس من المخلوقات وهو جنس الحيوان المخلوق ذكرا وأنثى أحدهما زوج مع الأخر. وشاع إطلاق الزوج على الذكر والأنثى من الحيوان كما في قوله تعالى (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) في سورة البقرة ... وأما قوله تعالى: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) فذلك إطلاق الزوج على الصنف بناء على شيوع إطلاقه على صنف الذكر وصنف الأنثى فأطلق مجازا على مطلق صنف من غير ما يتصف بالذكورة والأنوثة بعلاقة الإطلاق