والقرينة له قوله (وأنبتنا) مع عدم التنبيه. كذلك في قوله تعالى (فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى) . وتنكير الزوجين للتنويع، أي جعل من كل نوع ومعنى التثنية في زوجين أن كل فرد من الزوج يطلق عليه زوج كما في قوله تعالى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْن) . والوصف بقوله اثنين للتأكيد تحقيقًا للامتنان. وذهب أبو السعود إلى أن قوله اثنين تأكيد أكد به الزوجين لئلا يفهم أن المراد بذلك الشفعان إذ يطلق الزوج على المجموع ولكن اثنينية ذلك اثنينية اعتبارية أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين بين صنفين إما اللون كالأبيض والأسود أو في الطعم كالحلو والحامض ... وما أشبه ذلك.
وإذا عدنا إلى كلام ابن عاشور نجده يستبعد ما ذكره أكثر المفسرين من أن قوله (من كل الثمرات) ابتداء كلام وتعلق (من كل الثمرات) بـ (جعل فيها زوجين اثنين) لأنه لا نكتة في تقديم الجار والمجرور على عامله على هذا التقدير لأن جميع المذكور محل اهتمام فلا خصوصية للثمرات هنا.
والذي يبدو أنه قدم الجار المجرور في هذه الآية ليشير إلى حقيقة لم يعرفها الأقدمون وهو أن جميع الثمرات تتكون من زوجين اثنين وهذا لم يكن معلومًا لدى القدماء وليس هذا الأمر ظاهرًا كما في الحيونات فهم يعرفون أن الحيوانات تتكاثر من ذكر وأنثى لذا كان لابد من تقديم الجار والمجرور والاهتمام بالمتقدم الذي لم يكن معلوما لديهم ليخبرهم بهذه الحقيقة العلمية فهذه خصوصية الثمرات عن غيرها لخفاء هذه الحقيقة. وهذا ما جعل المفسرين يحيدون عن ذلك لعدم معرفتهم بهذه الحقيقة. وقد استبعد ابن عاشور ذلك أيضًا بقوله (والظاهر) أن جملة (جعل فيها زوجين) مستأنفة للاهتمام بهذا الجنس من المخلوقات وهو جنس الحيوان المخلوق ذكرا وأنثى من الحيوان) ولا يخلو كلام ابن عاشور من التكلف ففي ظاهر الآية أن الزوجين هنا للثمرات وليس للحيوانات أما قوله إطلاق الزوج على الصنف بناء على شيوع إطلاقه على صنف الذكر وصنف الأنثى فأطلق مجازا على مطلق الصنف من غير ما يتصف بالذكورة والأنوثة بعد، القرينة له وأنبتنا مع عدم التثنية.
يمكن الرد على هذا أنه لا يحتاج إلى عد الزوجين هنا مجازًا بعد معرفتنا بالحقيقة العلمية في تكوين الثمر من ذكر وأنثى لا يختلف ذلك عما هو معروف من تكاثر الحيوانات فالزوج هنا مقصود به الذكر والأنثى ولعل اختيار هذا اللفظ في القرآن الكريم لإفادته أيضًا معنى النوع والصنف كما أشار إلى ذلك المعنى أهل المعاجم والمفسرون مما جعل المفسرين يفسرون الزوجية بهذا المعنى وهذا من بلاغة القرآن الكريم لأنه يكلم الناس على قدر عقولهم وعلومهم فالآية تتحمل هذا المعنى أيضًا وكان هذا أبلغ لدى نزول القرآن فمن تعريفات البلاغة (أنه لكل مقام مقال) ولعل التفسير العلمي الحديث لهذه الآية