الآن أبلغ مما فسر به الأقدمون بعد معرفة هذه الحقيقة العلمية وكما ذكرنا سابقًا قوله ... (صلى الله عليه وسلم) (القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه) فالأحسن والأبلغ في الوقت الحاضر ما وصل إليه العلماء من الزوجية الحقيقية للنبات وليس مجازا كما ذكر ابن عاشور.
على أن هذا المعنى العلمي لم يغفله بعض القدماء من المفسرين فقد توصل إلى هذا المعنى بما فهموه من ألفاظ هذه الآية كما وجدنا ذلك في تفسير مجاهد والفراء والسيوطي وهذا يدل على الفهم الدقيق للغتهم وأنهم سبقوا عصورهم في المعرفة بفضل هذا الكتاب المعجز الذي أخبرهم بهذه الحقيقة العلمية منذ قرون.
وقد أكد سبحانه وتعالى هذه الزوجية بالاثنين لئلا يفهم من الزوجية بأكثر من هذا العدد وهذه هي سنة الله في خلقه. أما قوله العامة من تسمية الزوج بالاثنين فقد أشار المعجميون إلى بطلان ذلك وكذلك من استقراء الآيات القرآن الكريم يتبين لنا أنه قد استعمل الزوجين للإثنين والزوج للفرد الواحد من هذين الزوجين. على أن يكون له قرين على شاكلته أو بالخلاف والضد كما في زوجية الليل والنهار، والسماء والأرض، والظلمة والنور.
أما قوله بعد ذلك (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) . خص بالمتفكرين لأن ما احتوت عليه هذه الآيات من الصنيع العجيب لا يدرك إلا بالتفكير. قال الرازي: (كأنه تعالى يقول مجال الفكر باق بعد ولا بد بعد هذا المقام من التفكير والتأمل ليتم الاستدلال) .
وقد جيء في التفكير بالصيغة الدالة على التكلف وبصيغة المضارع للإشارة إلى تفكر شديد ومكرر.
وهذا ما أشار إليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله عن القرآن (لا تنقضي عجائبه) فالتفكير مطلوب في هذه الآيات إلى يوم الدين.
جعل المرعى غثاء:
قال تعالى: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) .