أما قوله تعالى (البحرين) فقد ذكرنا سابقاً أن المراد بالبحرين هنا النهر العذب والبحر الملح بدلالة سياق الآية المتأخر وهو قوله تعالى هذا عذب فرات وهذا ملح (أجاج) فقد أوضح سياق الآية المراد من هذين البحرين فهو توضيح بعد إبهام فقد يكون البحرين المراد منهما البحرين الملحين على التثنية ويحتمل أيضاً أن يكون النهر العذب مع البحر الملح على من جعل البحر الذي ماؤه كثير للعذب أو الملح على السواء ومن يجعل البحر للملح فقط يجعل قوله تعالى (البحرين) على التغليب أي تغليب البحر على النهر كما في قولنا القمرين للشمس والقمر. وقد وضح سياق الآية المتأخر أن المراد منه هو مرج الماء العذب الفرات بالماء الملح الأجاج دون البحرين الملحين والتي أشارت إليه آية أخرى.
وأما الألف واللام في قوله تعالى (البحرين) فقد يكون المقصود منه بحار معينة فـ (الألف واللام) هنا للعهد كما فهم بعض المفسرين فقد ذكر ابن عاشور أنه أريد هنا ملتقى ماء نهري الفرات ودجلة مع ماء بحر خليج العجم (الخليج العربي) وقد يكون (المقصود مطلق البحر العذب والبحر الملح) الألف واللام هنا جنسية وليست لبحرين مُعينين.
وأما قوله (برزخ) فقد ذكر بعضهم أنه خفي ولم يشر إلى ذلك أكثر المفسرين وأهل المعاجم. وقد أشار بعضهم أنه يشاهد عياناً في مصب الأنهار.
ويقول الدكتور أنيس الراوي أن هناك جبالاً في عمق البحار تفصل بين المحيطات وكذلك مياهها مفصولة من فوق الجبال بواسطة الشد السطحي للمياه مما يدل أنه ليس شرطاً أن يكون هذا البرزخ خفياً كما قال بعضهم.
وفي قوله تعالى (حجراً محجورا) أشار أصحاب المعاجم أنه بمعنى المنع وقد كان العرب يقولون (حجراً محجورا) أي حراماً محرماً وقد وجد أن هناك مانعاً يمنع الأسماك التي تعيش في العذب بأن تدخل في الماء المالح، لأن طبيعة كل منهما تختلف عن الآخر فلو لم يكن ذلك. الحاجز لماتت الأسماك التي تدخل الماء العذب من الماء المالح وبالعكس.
يقول الأستاذ الدكتور أنيس الراوي: إذا خرج حيوان الماء العذب إلى الماء المالح ينقبض (Plasolysis) ويصبح جافاً أما إذا دخل حيوان الماء المالح العذب انفجر بعملية الامتلاء الحاد لخلاياه (turgidity) ليدخل الماء بشدة لموازنة الأملاح في جسم الكائن.
ولم يذكر قوله تعالى حجراً محجوراً في قوله تعالى: (مرج البحرين يلتقيان) والتي تدل على البحرين الملحين كما سنبين لأنه يمكن دخول أسماك بحر في بحر آخر وهذا يشير إلى دقة استعمال الألفاظ في القرآن الكريم وإعجازه العلمي واللغوي.