فهرس الكتاب

الصفحة 1744 من 3562

واضطراب أخلاط البدن ففي الصوم حينئذٍ حمية مناسبة .

أما صوم المسلمين فمختلف الأوقات ربما صادف وقت الحاجة إلى الحمية ، وربما لم يصادف فالحكمة فيه غير بينة ، ففكرت في هذا الكلام فخطر لي في جوابه وجهان:

أحدهما: أن دين الإسلام ورد بالتعبد لله والتوكل على الله عز وجل بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (( يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به ، يدع طعامه وشرابه من أجلي ) ) [1] .

وقال عليه السلام في سبعين ألفًا من أمته يدخلون الجنة بغير حساب: (( هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ) ) [2] .

فظهر بما ذكرناه عن صاحب الشرع أن مقصوده من الصوم: التعبد لا التطبب . على أن صوم النصارى وغالب دينهم ليس من دين المسيح في شيء ، إنما هو وضْع قوم حكماء مشركين اعتقدوا بشبهة دخلت عليهم إلاهية المسيح ثم زعموا أنه فوض إليهم وضع الشرع على ما يرون ، وزعموا أنهم أنبياء معصومون فوضعوا ما شاؤوا ، ولا يصح عن المسيح شيء من ذلك . بخلاف دين الإسلام فإنه شرع الله عز وجل بواسطة رسوله ، ونصوص الشرع فيه متواترة والمدة قريبة لم تطل بحيث يلحقها التحريف ، إذ نحن الآن في سنة عشر وسبعمائة للهجرة .

الوجه الثاني: أن الحكمة في صوم المسلمين واضحة لمن تأملها ، وذلك من حيث الدين والبدن بمراعاة جانب العبادة والرياضة .

أما مراعاة العبادة ؛ فلأن من شأن دين الإسلام تعميم المَحالّ بالعبادات أو ما أمكن من ذلك . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( جُعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا ) ) [3] . وقال: (( الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) ) [4] .

(1) ... أخرجه البخاري في الصوم ، باب هل يقول: إني صائم إذا شُتِم 2/673ح1805 . ومسلم في الصيام ، باب فضل الصيام 2/806ح1151 .

(2) ... أخرجه البخاري في الطب ، باب من اكتوى أو كوى غيره 5/2157ح5378 . ومسلم في الإيمان ، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب 1/198ح218 .

(3) ... أخرجه مسلم في المساجد ، باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه 1/371ح522 .

(4) ... أخرجه أبو داود في الصلاة ، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة 1/132ح492 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت