فهذا عبد الله بن عمر ﵄ لما سئل عن المشي في الجنازة أجاب سائله أنه خلفها، وهو الذي روينا عنه في الباب الأول أن رسول الله ﷺ كان يمشي أمامها، فدل ذلك أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك على جهة التخفيف على الناس ليعلمهم أن المشي خلف الجنازة وإن كان أفضل من المشي أمامها، ليس هو مما لا بد منه، ولا مما يحرج تاركه، ولكنه مما له أن يفعله ويفعل غيره. وكذلك ما روي عن ابن عمر من ذلك، فروى عنه سالم أنه كان يمشي أمام الجنازة. فدل ذلك على إباحة المشي أمامها، لا على أن ذلك أفضل من المشي خلفها، ثم روى عنه نافع أنه مشى خلفها. فدل ذلك أيضا على إباحة المشي خلفها، لا على أن ذلك أفضل من غيره. فلما سأله أخبره بالمشي الذي ينبغي أن يفعل في الجنازة أنه خلفها، لا على أنه هو الذي أفضل من غيره.
وقد روينا في حديث البراء أن النبي ﷺ "أمرهم باتباع الجنازة"، والأغلب من معنى ذلك هو المشي خلفها أيضا. فصار بذلك من حق الجنازة اتباعها والصلاة عليها فكان المصلي عليها يكون في صلاته عليها متأخرا عنها.