فإن قال قائل: فقد ثبت بهذا عن ابن عباس ﵄ أن إحرام رسول الله ﷺ إنما كان بحجة مفردة، فقد خالف هذا ما رويتم عنه من تمتع رسول الله ﷺ وقرانه.
قيل له: ما في هذا خلاف لذلك، لأنه قد يجوز أن يكون إحرامه أولا كان بحجة حتى قدم مكة، ففسخ ذلك بعمرة، ثم أقام عليها على أنها عمرة، وقد عزم أن يحرم بعدها بحجة، وكان في ذلك متمتعا، ثم لم يطف للعمرة حتى أحرم بالحجة، فصار بذلك قارنًا فهذه وجوه أحاديث ابن عباس ﵄ قد صحت والتأمت، على القران الذي كان قبله التمتع والإفراد، فلم تتضاد إلا أنّ في قوله: "لولا أني سُقت الهدي لحللت كما حلّ أصحابي"، دليل على أن سياقة الهدي قد كانت في وقت أحرم فيه بعمرة، يريد بها التمتع إلى الحجة، لأنه لو لم يكن فعل ذلك، لكان هديه ذلك تطوعا، والتطوع من الهدي غير مانع من الإحلال الذي يكون لو لم يكن الهدي.
فدل ذلك على أن إحرام رسول الله ﷺ كان أولا بعمرة، ثم أتبعها حجة على السبيل الذي ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب.