فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 348

الناس فيعودون إلى الضلال فيكون أكثر أهل الضلال هم الروم، فكما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم: (تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ) [1] . ثم تأتي الريح الطيبة وتأخذ المسلمين فيبقى الروم وشرار الناس وعليهم تقوم الساعة.

وما بقاء الروم إلّا لأن هذه الأمة ذات خصال، وهذه لفتة يجب أن تنتبهوا لها، هي أمة خبيثة ومنحرفة ولكن ذات خصال، هذه الخصال سبَّبت لها البقاء والفهم لسنن الاستخلاف والفهم لكثير من السنن، فتجد عندهم الضبط والربط واحترام الزمن وهم أمة تجريبية وعندهم كثير من مظاهر الترتيب .. إلخ.

يعني نحن عندنا فقط صورة الرذائل عن الروم من الفحش والتهتك، ولكن الذي عاش في أوروبا مثلنا يدرك أنهم أمّة إلى جانب رذائلهم عندهم فضائل كثيرة، وكذلك بني إسرائيل إلى جانب رذائلهم عندهم فضائل كثيرة، وبسبب هذه الخصال بقوا وقاتلوا وصمدوا، وما زالوا على امتداد التاريخ من آلاف السنين، والروم كذلك.

وفي الحديث في (صحيح مسلم) جاء رجل إلى عمرو بن العاص فقال سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: (تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ) فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: (أَبْصِرْ مَا تَقُولُ) ، قَالَ: (أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) ، قَالَ: (لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالًا أَرْبَعًا: إِنَّهُمْ لَأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ) [2] .

فالشاهد أن الروم أمة ذات خصال وذات بأس، وأمة منظمة من القديم ودولة عظمى، وكلما تهزم تكرّ، فتخرج فرنسا وتأتي بريطانيا، وتنهزم روسيا فتخرج أمريكا، وهكذا قرنٌ وراء قرن، كلما يُكسر لها قرن تأتي بقرن، فابتُلي بهم المسلمون.

فمن أهم ما يجب أن نعرفه ونحن نصارع النظام العالمي الجديد أن نعرف أنفسنا، ونعرف عدونا وتاريخه.

والآن سنأخذ ومضات ثلاثة من تاريخ الصِّدام الصّليبي مع الإسلام فالومضة الأخيرة تفيدنا ونحن نستكشف كيف نصادم الروم، فيجب أن نعرف كيف صادمناهم وربحنا، وكيف صادمناهم وخسرنا عدة مرات، فنترك الأساليب التي خسرنا فيها ونتتبَّع الأساليب التي ربحنا فيها.

(1) صحيح مسلم (2898) .

(2) صحيح مسلم (2898) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت