فالناس إذا انحازوا للفرعون كفروا وترشّح الفرعون لكسب المعركة لأنّه صار معه الأغلبية، وإذا انحازوا للأنبياء وأتباع الأنبياء فيعني أنهم ترشحوا للنصر وجعلوهم مؤمنين معهم.
وهذه القضيّة في علم السياسة تسمّى (نظريّة الحشد) ؛ يعني أيّ داعية وأيّ حزب وأي جماعة يلزمها نظرية حشد حتى يكون الناس في صفّه، فإذا كان برلمانيًا فيجب أن يحشد حتى ينتخبه الناس، وإذا كان جهاديًا يجب أن يحشد حتى يقاتل، وإذا كان تبليغيًا فيجب أن يحشد حتى يدعو، وإذا كان سلفيًا فيجب أن يحشد حتى يقيم أركان مساجد وهكذا.
فقضيّة الحشد لازمة لكل داعية، والحشد لا يكون بالسيف والسلطان والقهر فترفع السيف في رأسهم وتقول لهم انصروا المجاهدين؛ بل القضية قضية إقناع، فإذا المجاهدين قالوا للناس:"اعملوا إضرابًا للضغط على الدولة وأغلقوا الدكاكين"، فهذا لا يعني أنهم سيحملون الرشاشات ويتوزّعوا على الدكاكين ليغلقوها، ولا الدولة ستحمل رشاشاتها وتفتح الدكاكين بالقوة، فهنا القضية قضية حجّة، فهذه القناعة يوفّرها أصحاب الإقناع في كلّ فريق، جاء موسى بحجّته وبيّنته وآياته وجاء فرعون بسحرته.
{فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ .. } ؛ فالمعركة كلها للناس ولكسب الناس.
{وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} ، ويلاحظ في الآية أنهم لم يقولوا:"لعلّنا نتبع الفرعون"بل قالوا {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ} مع أن الاجتماع كله لإقناع الناس باتباع الفرعون، فالناس لا يتّبعون الفرعون في مثل هذه القضايا بل يتّبعون السحرة، ثم اشترطوا شرطًا مهمًا جدًا فقالوا: {إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} ، يعني حجّتهم يجب أن تغلب.
الناس لا يتّبعون السحرة إذا فشلوا في الإقناع، ولا يتّبعون الداعية إذا فشل في الإقناع، بل يتّبعوهم إذا كانوا هم الغالبين؛ لأنّ الناس قناعتهم أن الغلبة تعني إثبات الحقّ وتعني إرضاء الإله المعبود، والناس بفطرتها تسعى لإرضاء الإله المعبود، فإذا أقنعهم موسى سعوا إلى إرضاء المعبود بالطريق المستقيم، وإذا أقنعهم السحرة سعوا إلى إرضاء المعبود بالطريق المعوجّ؛ فوقعوا في طاعة السحرة وفي طاعة الفرعون.