فكانوا أمة عسكريّة تدرّبت بسبب غزواتها الداخلية، ثم ما لبث الروم أن سادوا وورثوا ملك وحضارة اليونان وآلهتهم وثقافتهم وفلسفاتهم ودينهم الوثني. ثم نزلوا وملكوا سواحل المتوسط ومصر والشام والحبشة ونصف الأناضول وأوروبا كاملةً، كل هذا كان في الإمبراطورية الرومانية.
وفي المقابل نصف الأناضول ووسط آسيا وأطراف الجزيرة في اليمن كانت مع الإمبراطورية الفارسية، أما قلب الجزيرة في الحجاز ونجد؛ فهذه الصحراء فلم تكن بيد أحد، بل كانت بعيدة عن النظام الدولي وليس لها علاقة بالنظام الدولي، فلم يتصارع النظام الدولي عليها.
وكما في كل الحضارات والدول والقبائل؛ نقاط التماس تكون نقاط قتال، وكانت نقاط التماس بين فارس والروم هي في الشام، وكما صنع الأمريكان والروس اليوم اصطنع الفرس والروم لهم عملاء، والعملاء يدينون بدين السيد، فكان عرب المناذرة تابعون لفارس ويدينون بدينهم، وكان عرب الغساسنة النصارى تابعين للروم ويدينون بدينهم.
فهذا كان وضع الروم، والروم كانوا في تاريخهم الأول وثنيين من سنة 500 ق. م وحتى الميلاد، ومن ميلاد المسيح -عليه السلام- وحتى سنة 200 م كان الروم يتولّون قتال النصارى وتصفيتهم ومطاردة الحواريين وتلاميذهم، ولذلك لم يُكتب الإنجيل قبل سنة 200 م، وهذا كان أحد أسباب تحريف الإنجيل، أنه لم يُكتب خلال مائتين سنة بل كُتب بعد هذا، فأقدم نسخة للإنجيل تعود لسنة 200 م.
وكان آخر القياصرة الذين حاربوا النصارى هو (دِقيانوس) فذبح النصارى مذبحة شديدة، حتى أنّ النصارى يسموا عصره بعصر الشهداء، وتذكر الروايات التاريخية أنه في عصره كان أهل الكهف وأنهم فرّوا من الحاكم الروماني التابع له في فلسطين.
بعده خلفه في حكم روما الإمبراطور قسطنطين، وخلاصة القصة التي قرأناها ودرسناها مما بقي في ذهني أن قسطنطين ابتُلي بزوجة نصرانيّة وأنّها تنصّرت، وكانت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرمانية هي الوثنية، فأعلن قسطنطين أن الديانة الرسمية هي الوثنية والنصرانيّة، فبقيت الإمبراطورية الرومانية لفترة ولها ديانتان رسميتان، ثم ما لبث قسطنطين أن تنصّر.
وفي إحدى جولاته العسكرية في أوروبا وصل إلى أطراف بلغاريا ثم وصل إلى ساحل البحر الأسود في المكان الذي يسمّى بالقرن الذهبي، فبنى مدينة القسطنطينية واتخذها عاصمة له.