ثم في تلك الفترة اقتنع الصليبيون الشرقيُّون والغربيون أنهم حتى يقوموا بشيء من التوازن بينهم وبين المسلمين يجب أن يأخذوا مصر لما فيها من الغلال والخيرات، حيث كانت مصر قديمًا تطعم الإمبراطورية الرومانية كلها قمحًا، بينما كان تونس والمغرب تطعم الروم زيت الزيتون، أمّا الآن فمصر ينتهي قمحها في ثلاثة أشهر، وكل ثلاثة أشهر تأتيها المساعدات الأمريكية، ولو توقفت المساعدات الأمريكية ثلاثة أشهر ينتهي الخبز منهم!.
فالشاهد في الموضوع تحالف الروم البيزنطيون والإمارات الصليبية وجاءوا ليحتلوا مصر في حملة صليبية، وكان نور الدين زنكي يعرف أهمية مصر ودورها في التوازن الاستراتيجي، فبعث حملة لمصر للدفاع عنها، وكانت بقيادة أسد الدين شيراكوه الذي أخذ معه ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، وكان صلاح الدين جنديًا صغيرًا، ولم يكن يريد الذهاب لأنه كان مرتبطًا في الشام حتى أجبره إجبارًا، وسبحان الله الذي يؤتي ملكه من يشاء.
وبعد ذلك مات أسد الدين شيراكوه، وكان قد استعان به الخليفة الفاطمي في القلاقل الداخلية وضد الروم، فخلفه من بعده صلاح الدين، فتصدّى صلاح الدين الأيوبي للحملات الصليبية وهو ضابط عند الملك نور الدين زنكي، فعندما انتصر وبدأ يتوطَّد له ملك مصر، بدأ يفكر بأن يستقلَّ بمصر عن نور الدين زنكي، حتى أن والد صلاح الدين الأيوبي كان يرفض هذا، وهو لم يقل هذا ولكن استدعاه نور الدين زنكي أكثر من مرة ولم يُجِب.
ففي آخر مرحلة قرَّر نور الدين زنكي أن يأتي مصر، فرحم الله المسلمين وتوفي نور الدين زنكي، فخلفه ولد صغير عمره أحد عشر سنة، فأعلن صلاح الدين أن ابن نور الدين زنكي هو الولي الشرعي لمصر والشام وأنه سيأتي للشام حتى يوطّد ملكه.
فجاء بعلماء مصر وقواده الذين انتصروا على الحملة الصليبيين وجيشه حتى يوطّد ملك الطفل، ثم جمع علماء الشام وقال:"لهم نحن في حالة حرب وهو طفل عمره أحد عشر سنة"، فاسترضاهم، وتزوَّج زوجة نور الدين إكرامًا لأولاد نور الدين حتى تبقى ملكة، وأعطى أبناء نور الدين إمارة حلب.
ثم بدأ يصفّي الإمارات الصليبية الموجودة في الشام، وأعلنه علماء الشام ومصر سلطانًا لدار مصر والشام وبايعه أهل الحل والعقد على هذا، ثم هادن الصليبيين لمدة عشرة سنوات حتى يوحِّد الإمارات الموجودة أصلًا، ثم بعد ستة سنوات من اتفاقه قطع الصليبيون طريق الحج وبهذا نقضوا الاتفاق فحصلت معهم معركة (صفورية) ثم معركة (حطين) ثم فتح بيت القدس، وبهذا أقام (الدولة الأيوبية) .