فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 417

الله - في حادثة فتنة خلق القرآن، لكن لو رجعنا إلى عبارات الأئمّة في تفسير معنى الجماعة لرأينا لها مفهومين اثنين، وليس مفهومًا واحدًا وهما:

المفهوم الأوّل: المسلمون المنضوون تحت راية إمام ممكّن سواء كان هذا إمام عامّة أو غير ذلك، وهذا هو الذي كثر الحديث فيه في كتب السّياسة الشّرعيّة وكتب العقائد كقولهم: ولا نرى الخروج، أو: نقاتل تحت راية البرّ أو الفاجر، وغير ذلك من القواعد السّنية.

المفهوم الثّاني: أهل الحقّ، وهذا المفهوم دائرته أضيق من الدّائرة الأولى، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه:"الجماعة ما وافق الشّرع وإن كنت وحدك".

وهذا المفهوم يتحدّث عن جماعة صغرى في داخل الجماعة الكبرى (الدّولة والخلافة) ، وهي لا تندثر ولا تزول لا بوجود الجماعة الكبرى ولا بزوالها، بل بقاؤها الشّرعيّ القدريّ فريضة وضرورة، وانفراط أمرها هو المصيبة الكبرى، والطامّة العظمى، بل إنّ أمر الجماعة الكبرى (الدّولة) مرهون وجوده بوجود هذه الجماعة، فالجماعة الكبرى (الدّولة) قد تزول وتسقط، فمن الّذي يعيد بناءها ووجودها؟ إنّهم بلا شكّ جماعة الحقّ وأهل الهدى، وهذا كلّه داخل في قوله تعالى: {ولتكن منكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ، قال القاضي عياض: فلو طرأ عليه كفرٌ-أي حاكم الدّولة- وتغيير للشّرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر. ا. هـ. شرح مسلم (12/ 229)

وأمّا إذا كانت الجماعة الصّغرى (أهل الحقّ) لا وجود لها فإنّ عودة الدّولة هو أمر لا يتصوّر وقوعه أبدا.

ثمّ إنّ الجماعة الكبرى (الدّولة) قد يصيبها بعض الوهن والضّعف، فتقصّر في تطبيق الأحكام، لبعض العوارض، وقد تفشو في الدّولة المنكرات، ويغلب عليها إرادة الفسّاق، أو الّذين لا خلاق لهم، أو قد تتبنّى الدّولة بعض البدع الفاسدة، وتدعو النّاس إليها، فمن الّذين يقومون بمعالجة ذلك كلّه؟ بلا شكّ أنّها جماعة الحق (الصّغرى) .

وهذا كلّه كما قلنا سابقًا داخل في الآية: {ولتكن منكم أمّة ... } وهذه الآية عامّة لا تخصيص لها، سواء بوجود الإمام الممكّن أو بعدم وجوده.

وقد وجد في تاريخنا الإسلاميّ المجيد هذه الصّورة التي أحاول رسمها، وهي وجود الجماعة الصّغرى بكلّ ما يعني لفظ الجماعة من معنى، مثل معنى التّحزّب أو التّنظيم، مع وجود القوّة الرّابطة الجامعة لهذه الجماعة والحزب، فكانت بينهم العهود والبيعات على الحقّ، وكان منهم من يختار الأمير والقائد، وهكذا تقوم بكلّ ما التقت عليه وتبايعت لحفظه أو لإعادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت