فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 417

ولعلّ أوضح صورة بيّنت أهمّية هذا التّكتّل والتّجمع النّاتج عن ضعف الدّولة واهتزازها هو ما حصل زمن الحروب الصّليبيّة، ففي زمنها كان أمر الخلافة صوريّا لا حقيقة له، وهي كما قيل: خليفة في قفص، بين وصيف وبغا، لا يقول إلا كما تقول الببغاء، وتوزّعت الولايات الإسلاميّة مشتتة موزّعة، لا خيط يجمعها، بل صار بينها من التّناحر والتّخاصم ما وصل إلى درجة الحروب والاقتتال، وفي هذا الظّرف العصيب من التّفرّق والتّنازع، قدم على المسلمين وافد من وراء البحار، حمل معه شهوة القتل والاستئصال، ومعه أمل الاستيطان والبقاء، يحمل راية الصّليب، تغذّى بوري الكبد، وتعاليم الخرافة، وقد استطاعوا أن ينتصروا في المعركة الأولى، أو المعارك الأولى، واستقرّوا في كثير من المدن والجيوب الإسلاميّة، وكن على ذكر أنّه لم يكن للمسلمين ولاية عامّة، ولا تجمّع واحد، هذه الصّورة كيف عالجها أهل الإسلام؟.

أغلب من تكلم في هذه الفترة الزمنية عالجها من جهة بعض الأشخاص الذين أحدثوا أثرا تجميعيا للجهود المتفرقة السابقة لأعمالهم، فنرى كاتبًا يعالجها من جهة القائد نور الدين زنكي أو من جهة القائد صلاح الدين الأيوبي، وهكذا، فيظن القارئ على غير دراية أن هذا الجزء من التاريخ الإسلامي في معالجة الصليبيين تمّ عن طريق الدولة الجامعة لأمر المسلمين وهذا خطأ بيّن، فالقارئ المتمعن لتلك الفترة الزمنية يرى أن المسلمين عالجوا أمر الصليبيين عن طريق تجمعات صغيرة، وتنظيمات متوزّعة متفرّقة، فهذه قلعة حكمتها عائلة من العائلات، جمعت تحت إمرتها طائفة من النّاس، وهذه قرية ارتضوا حكم قائد عالم منهم وجاهدوا معه، وهذا عالم انتظم معه جماعة من تلاميذه وارتضوا إمامته وهكذا، ولعلّ خير كتاب يشرح لنا هذه الأوضاع على حقيقتها هو كتاب"الاعتبار"للأمير"أسامة بن منقذ"، وأسامة هذا من قلعة شيراز، وعائلته آل منقذ هم حكّام هذه القلعة، ولهم دور مشهود في الحروب الصّليبيّة، وأسامة شاهد عيان لحروب المسلمين ضدّ الصّليبيين.

وقبل أن أنتقل إلى نقطة أخرى، فمن المهمّ التّنبيه على أن دور القادة الكبار أمثال آل زنكي والأيوبيين هو تجميع هذه التّكتّلات والتنظيمات في تجمّع واحد وتنظيم واحد، ومع ذلك فقد بقي الدّور الأكبر لتلك التّكتّلات الصّغيرة القائمة على الحقّ في معالجة الحروب الصّليبيّة. (مقالات بين منهجين)

2 -ما هي أهم صفات هذه الجماعة؟:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (54) سورة المائدة

إن اختيار الله للعصبة المؤمنة، لتكون أداة القدر الإلهي في إقرار دين الله في الأرض، وتمكين سلطانه في حياة البشر، وتحكيم منهجه في أوضاعهم وأنظمتهم، وتنفيذ شريعته في أقضيتهم وأحوالهم، وتحقيق الصلاح والخير والطهارة والنماء في الأرض بذلك المنهج وبهذه الشريعة. . إن هذا الاختيار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت