فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 417

حين أحس بفضولي الصحافي في التعرف إليهم، قال ناصحا: إذا كنت لا تريد الأخذ بنصيحتي، فكن حذرا في كلامك معهم، فان ضيفوك كوبا من الشاي، فهذا مدعاة اطمئنان، وإلا فأحسن الخروج من عندهم بسرعة كما أحسنت الدخول، زاد هذا الحديث من فضولي الصحافي، فتوجهت منذ اليوم الأول إلي غرفتهم، كان يجلس في صدرها أبو محمد المقدسي، والزرقاوي. بعد إلقاء التحية عليهما قدمت نفسي لهما قائلا: أنا صحافي متابع للقضايا السياسية، ولا أنتمي لأي من الجماعات الإسلامية، لكن لدي الرغبة في التعرف علي تفاصيل قضيتكم التي تابعتها عبر وسائل الإعلام، فهل أنتم علي استعداد لتحدثوني عنها بالتفصيل، وأعدكم بنشر روايتكم بوسائل الإعلام، رحبوا في أجمل ترحيب، ووضع الزرقاوي أمامي كوبا من الشاي، مما أثلج صدري، وأشعرني بالراحة والطمأنينة، ودامت الجلسة أكثر من ساعتين. كان النقاش خلالها محصورا مع المقدسي حول التطورات السياسية بالمنطقة، ولم يتدخل الزرقاوي بالنقاش إلا مرة واحدة، حين سألني عن المعاملة التي لقيتها أثناء فترة التحقيق قبل ترحيلي إلي سجن سواقة، بعد أن استمع أبو مصعب إلي اجابتي، حدثني بما جري معه خلال اعتقاله بزنزانة انفرادية علي مدي ثمانية أشهر ونصف الشهر، وقال أنه فقد أظافر قدميه نتيجة التقرحات التي أصابتهما جراء التعذيب الشديد. أدركت حينها أنه إذا ما تسني للزرقاوي الخروج من السجن فسيغادر الأردن فورا، بلا عودة!

بعد أسبوع من وصولي إلي سجن سواقة، وضعت إدارة السجن الزرقاوي في زنزانة انفرادية، عقوبة له علي تلاسنه مع أحد الحراس، لكسر شوكته بين مجموعته، كونه أميرهم، حاول المقدسي ورفاقه مفاوضة إدارة السجن لاعادته إليهم، لكن انقضي أسبوع من المماطلة والتسويف، فقررت مجموعة الزرقاوي العصيان داخل السجن، وطلبوا منا نحن المعتقلين السياسيين أن نتضامن معهم، ففعلنا، فتأزم الموقف وازدادت حدة التوتر بين الإدارة من جهة، وبقية كامل المعتقلين من جهة ثانية، ولما وصلت الأمور إلي حافة الصدام، اقترح المعتقلون السياسيون أن أفاوض باسم الجميع إدارة السجن لاعادة الزرقاوي، وافق المقدسي علي المقترح، فأبلغت الضابط المناوب بضرورة التفاوض لإيجاد مخرج للازمة، قبل أن تتفاقم الأمور وتصل إلي ما لا يحمد عقباه، رافقني للتفاوض أبو المنتصر من مجموعة الزرقاوي، فالتقينا مع مدير السجن حينذاك إبراهيم خشاشنة، لكنه لم يبد مرونة، فتصاعد الموقف، وبلغ العصيان أوجه. أغلق المعتقلون كاميرات المراقبة، خلعوا الأسرة الحديدية وصنعوا منها أدوات حادة استعدادا للنزال، أغلقوا الأبواب الرئيسة للقسم مانعين رجال الأمن العام من الاقتراب للمكان، فعلم بالأمر مدير السجون الشريف أبو عصام، الذي وصل إلينا قرابة الفجر. تفاوضت معه نيابة عن المساجين لإخراج الزرقاوي من الزنزانة الانفرادية، فوافق علي أن يتم التنفيذ في اليوم التالي، حفظا لماء وجه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت