الحمد لله معز الإسلام بنصره، ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره
ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دولًا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله
والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه
أمّا بعد ...
فإن الله سبحانه وتعالى خلق العباد وهم في درجات الهمة متفاوتون، فمنهم من ترقى به همته لتبلغ به عنان السماء، ومنهم من تقصر به همتهم حتى تخلد به إلى الأرض
فيحل ذاك بأرضه بتسفل *** ويحل ذا بسمائه بتصعد
فعالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته وتحقيق بغيته وكلما كانت النفوس أشرف والهمة أعلى كان تعب البدن أوفر وحظه من الراحة أقل
فتى لا يضم القلب همات قلبه *** ولو ضمها قلبٌ لما ضمها صدر
إن عالي الهمة لا يستوحش من قلة السالكين، ولا يأبه بقلة الناجين، ولا يلتفت لكثرة المخذلين، ولا يكترث بمخالفة الناكبين، قلبه لا يعرف التثاؤب ولا الراحة ولا السكون ولا الترف.
وخسيس الهمة كلما همَ ليسموا للعوالي، وليرتقي في درجات المعالي، ختم الشيطان على قلبه، وأخذ على ناصيته وقال له عليك ليل طويل فارقد، وكلما سعى للإرتقاء بهمته وإقالة عثرته عاجلته جيوش التشويش والأماني، ونادته نفسه الأمارة بالسوء أأنت أكبر أم الواقع
وحين ينت** الإنسان يهوي إلى الدرك الذي لا يهوي إليه مخلوق قط
حين تصبح البهائم أرفع منه وأقوم
حين يرت** مع هواه إلى درك لا تملك البهيمة أن ترت** إليه، وإذا ماتت فيه الغيرة على نفسه وعلى المحارم يصبح أسفل من البهائم
ولا يقيم على ضيم يُراد به *** إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الحبل مربوط برمته *** وذا يُشد فلا يدري به أحد
ولقد حاز سلفنا الصالح قصب السبق في علو الهمة وسمو المراد وقد ضربوا لهم في كل باب من أبواب هذا الدين بسهم وأخذوا من كل فضل بنصيب
ففي العبادة: لا تراهم إلا راكعين ساجدين خاشعين باكين مخبتين
وفي سبيل طلب العلم: فارقوا الأهل والأولاد، وتنقلوا في البلاد وهجروا لذيذ الرقاد وأنفقوا الطارف والتلاد
وفي الإنفاق: أنفقوا إنفاق من لا يخشى الفقر في دنياه، ويبتغي رضى مولاه