يستخدم عقله الذي طال الزّمن عليه بالتّغيير والإقصاء، نعم هذا الكهنوت الذي لم يخرم غرزًا ممّا عند النّصارى برهبانهم واليهود بأحبارهم، إنّ هذا الصّنف من البشر وأقصد بهم طبقة الكهنوت هم من أرذل خلق الله، وهو الجدار الأوّل الذي يمنع المسلم من استعمال حقّه في استخدام عقله الذي كرّمه الله به، وهو الجدار الأوّل الذي يمنع المسلم من تحرّر إرادته في أن يتقدّم الخطوة الأولى نحو أهداف الإسلام الصّحيحة، نعم لو قدّر لرجل مسلم يحترم عقله أن يرى شيخ الأزهر وهو يتكلّم في إحدى محطّات التّلفزيون لأيقن أنّه لا نهضة لأمّتنا، ولا خروج من مأزقها حتّى ترفع شعار: اقتلوا آخر حاكم مرتدّ بأمعاء آخر قسّيس خبيث.
كان دور العالم دوما اكتشاف الخطأ مبكّرًا قبل غيره، لأنّه الأقدر بما أوتي من موهبة ربّانيّة، وعطاء إلهيّ في أن يتقدّم الصّفوف في كلّ شيء صحيح، وكان دوره دومًا الرّائد الذي لا يكذب أهله في تضحيته بنفسه، ليكون وقودًا لشعلة الصّلاح في مجتمعاتنا، أمّا أن يكون دور العالم هو إسباغ الشّرعية على الفساد، وإطلاق عبارات الشّرع المدحيّة على الشّر والضّلال، فهذا تزوير وانحراف، وجريمة لا تعادلها جريمة، وهي أعظم جرمًا من الاتّجار بالمخدّرات، لأنّه يسوِّق الرّذائل تحت أسماء جميلة حسنة، وهذه الجريمة هي أوّل جريمة بدأها إبليس في التّاريخ الإنسانيّ حين سمّى شجرة المعصية شجرة الخلد وملك لا يبلى.
إنّ أمراض الأمّة المشتّتة بحاجة إلى جهود مضنية، وإلى قادة مخلصين، ليتمّ إحياء الأمّة على منهج صحيح صائب، لأنّنا نحن اليوم نعيش على مرقب عال، نرقب مستقبلًا يتناوشنا فيه العدوّ من جانب، هذا المستقبل الذي حاول فيه الأعداء أن يرسم معالمه ليكون حسب سياسته ومراده، وهو يملك أدوات التّطبيق، فهو الذي يملك المال والقوّة، فعنده الآلة العسكريّة الرّهيبة، وعنده العديد من الاحتمالات التي يمكن أن يستعملها متى يريد، وفوق ذلك في أمّتنا التّربة الصّالحة لهذه الاحتمالات الكفريّة الخبيثة، أمّا عدّتنا نحن، فليس هناك من شيء سوى الحقّ إن جرّدناه عن شوائب الأفكار المنحرفة، وعلمناه على حقيقته كما هو من غير بدع الإرجاء والجبر، ومن غير هوى الآراء والأفكار، وعلينا أن نملك عقيدة الجهاد، وروح الجهاد، ونفس الجهاد، هذه العقيدة التي تهون أمامها الصّعاب، وتتصاغر في وجهها الجبال، هذه الرّوح التي تنطوي على حبّ الموت والرّغبة فيما عند الله، والتّرفّع عن الدّنايا والصّغائر، والزّهد في الدّنيا، هذا النّفس إن ملكناه أو تملَّكناه كنّا أعاصير لا تبقي للكفر أثرًا، ولا للظّلام وجودًا.
إنّ الواجب علينا أن نطلق لفظ الجهاد بين كلّ كلمة وكلمة، وندندن حوله في كلّ موقع، لتنقشع الظّلمات وتعود الأمّة إلى سابق عهدها، عزًّا، وتمكينًا وريادة. (مقالات بين منهجين ) )