فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 417

والحقّ يقال: إنّ العوامل الدّاخليّة في دار الإسلام، عوامل الهزيمة والانحطاط، هي السّبب الرّئيسيّ لإسقاط هذه الدّولة، فليس ما عمله الكفّار بمعادل ما عملته الأمّة بنفسها، فلو نظرنا نظرة فاحصة إلى صورة المجتمع الإسلاميّ في دار الإسلام قبل إزالتها، لوجدنا أنّ هذه الدّار كانت تفيض بعوامل الانحطاط والتّخلّف، ومن أهمّ هذه العوامل هو فساد التّصوّر العقديّ، إذ انتشرت في الأمّة جرثومة الصّوفيّة، هذه الصّوفيّة التي ما دخلت في أمّة من الأمم إلاّ جعلتها أثرًا بعد عين، الصّوفيّة التي شغلت النّاس في الوصول إلى حالة العرفان والجذبة، فأرهقت المرء المسلم في سعيه لهذه الخيالات الجنونيّة، وعطّلت المسلم عن البحث والنّظر، لأنّ الصوفيّ يظنّ أنّه بمجرّد وصوله لهذه المرتبة سيدرك حقائق الأشياء، وسرّ الكون، فلا ضرورة إذن للسّعي والجدّ في اكتشاف سنن الكون والحياة، لأنّ الصّوفيّة تؤمن أنّه بمجرّد كون الرّجل وليًّا عارفًا فإنّه سيملك ناصية هذا الكون، فسيتحكّم في سننه من أمراض وظواهر كونيّة من ماءٍ ونار ومطر ورعد، وسيكون مالكًا لإكسير الحياة وسرّ الأشياء، وسيسيطر على حجر الكيمياء، هذا الحجر الذي يستطيع مالكه أن يغيّر الأشياء وحقائقها، فبه ينقلب الحديد ذهبا، وبه تنقلب المياه جواهر ودررًا، فأفسدت النّظر إلى الكون والحياة، نعم انتشرت الصّوفيّة في الأمّة وتغلغلت فيها إلى الصّميم، ولا يقولنّ قائل: إنّ الصّوفيّة لم تكن شائعة، أو أنّها كانت محصورة في بعض جوانب الحياة، لا، فهذا خطأ شنيع، لأنّ الصّوفيّة كانوا هم قادة الحياة، وسادة المجتمعات الإسلاميّة، بل إنّ الصّوفيّة وإلى الآن هي التي تسيطر على عقول قادتنا ومشايخنا، فهذا سعيد حوّى يريد أن يعيد إحياء الأمّة عن طريق التّربية الصّوفيّة، فيؤلّف للنّاس كتابًا في هذه التّربية الرّوحيّة، ويدعو الشّباب إلى الدّخول في مدارس إحياء الرّبّانيّة، ويقصد بها السّلوك على يد مشايخ الصّوفيّة، بل إنّ أكثر القادة تحرّرًا من القديم بكلّ ما فيه من خير وشرّ، لم نسمع منه كلمة واحدة، ولا رأينا له مشروعًا في تحطيم هذا المرض الخبيث، فهذا حسن التّرابيّ يعيش في مجتمع تغلغلت فيه الصّوفيّة إلى الصّميم، ومع ذلك لم نسمع منه كلمة واحدة نحوها، بل ولا اهتمّ من قريب أو بعيد بجوانب الشّرك التي تنتشر في مجتمعه.

إنّ البعد الدّاخليّ في الإنسان المسلم، وفي الجماعة المسلمة، ما لم يتحرّر من هذه المخلّفات النّتنة فلن نخطو الخطوة الصّحيحة إلى أهدافنا، وهذا يجعلنا نكرّر المرّة تلو المرّة أنّ جماعات الجهاد ليست هي تلك الجماعات التي تحمل السّلاح فقط، بل هي جماعات التّجديد لما اندرس من معالم هذا الدّين، وهي جماعات التّجديد أي إعادة صورة الإسلام إلى الحالة التي كان عليها وهو جديد في أوّل أمره.

إنّ طرح الجهاد كمشروع وحيد لإحياء الأمّة، لأنّ الجهاد هو الإطار الذي يحرّر المسلم من أهواء نفسه ومن مخلّفات مجتمعه، ومن انحرافات مذاهب البدع، لأنّ الجهاد هو الحامل لروح التّمرّد على كلّ ما هو فاسد في داخلنا، فالمجاهد اليوم لن يكون كذلك إلاّ بعد أن يتحرّر من سلطة الكهنوت القابعة على صدر الأمّة باسم العلم والعلماء، هذه السّلطة التي تضرب بسيف الدين كلّ من حاول أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت