حينذاك، كان يرتادها الأشرار والطيبون، فعايش الزرقاوي منذ بواكير وعيه، الخير والشر في آن معا، وتعايش مع التناقضات، علاوة علي ما يتركه قضاء الوقت الطويل بين القبور من تصالح مع التناقض بين فكرتي الموت والحياة. في تلك المقبرة نسج الزرقاوي أهم صداقاته.
درس الزرقاوي حتي الصف الثاني الثانوي وحصل علي معدل (87 %) في نهاية العام الدراسي، لكنه لم يكمل الثانوية العامة. وعمل لمدة قصيرة لا تتعدي شهرا واحدا في بلدية الزرقاء/قسم الصيانة، لكنه ترك العمل بناء علي طلب والده.
عرف عن أبو مصعب في تلك الفترة أنه من قبضايات الحي لا يجرؤ أحد علي التعدي علي أي من أصدقائه أو أقاربه، كانت نفسه أبية لا تقبل الظلم، صاحب نخوة يلبي طلب أصدقائه ويدافع عنهم، كانت نفسه وثابة تبحث عن شيء يطفيء عطشه للرجولة، وفعل شيء نافع.
بعد أن اشتد عوده في مدينة الزرقاء التي لا يكاد يخلو شارع من شوارعها من مسجد، وغادر سن المراهقة، أصبح مسجد عبد الله بن عباس المجاور لبيته، بيته الثاني. في هذا المسجد بدأ الزرقاوي نسج صداقات جديدة، الأصدقاء الجدد جلهم ينتمي إلي جماعات إسلامية مختلفة، لكن كل تلك الجماعات علي اختلاف اجتهاداتها، تُجمع علي تحريض الشباب علي الجهاد، فأخذت أفكار الجهاد والاستشهاد تتنامي عنده، بعد أن أصبح رواد المسجد، هم الأصدقاء الأكثر قربا، مغادرا كل تفاصيل الطفولة والصبا التي بناها في المقبرة، دون أن يغادر علاقاته التي بناها فيها أيام الصبا ))
وهذه نقطة هامة جدا في حياة الزرقاوي، فأبشر يا أبا مصعب سيظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛
ففي البخاري 660 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ . وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ » .