فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 417

إن لكل نفس كتابا مؤجلا إلى أجل مرسوم . ولن تموت نفس حتى تستوفي هذا الأجل المرسوم . فالخوف والهلع، والحرص والتخلف، لا تطيل أجلا . والشجاعة والثبات والإقدام والوفاء لا تقصر عمرا . فلا كان الجبن، ولا نامت أعين الجبناء . والأجل المكتوب لا ينقص منه يوم ولا يزيد !

بذلك تستقر حقيقة الأجل في النفس، فتترك الاشتغال به، ولا تجعله في الحساب، وهي تفكر في الأداء والوفاء بالالتزامات والتكاليف الإيمانية . وبذلك تنطلق من عقال الشح والحرص، كما ترتفع على وهلة الخوف والفزع . وبذلك تستقيم على الطريق بكل تكاليفه وبكل التزاماته، في صبر وطمأنينة، وتوكل على الله الذي يملك الآجال وحده .

ثم ينتقل بالنفس خطوة وراء هذه القضية التي حسم فيها القول . .

فإنه إذا كان العمر مكتوبا، والأجل مرسوما . .

فلتنظر نفس ما قدمت لغد؛ ولتنظر نفس ماذا تريد . .

أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصر همها كله في هذه الأرض، وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها ؟ أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى، وإلى اهتمامات أرفع، وإلى حياة أكبر من هذه الحياة ؟ . .

مع تساوي هذا الهم وذاك فيما يختص بالعمر والحياة ؟!

(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها . ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) .

وشتان بين حياة وحياة !

وشتان بين اهتمام واهتمام ! - مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل - والذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها . .

إنما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام !

ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب . والذي يتطلع إلى الأفق الآخر . .

إنما يحيا حياة"الإنسان"الذي كرمه الله واستخلفه وأفرده بهذا المكان ثم يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب . .

(وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا) . .

(وسنجزي الشاكرين) . .

الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان؛ ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان . .

وهكذا يقرر القرآن حقيقة الموت والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت