فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 417

(قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم. ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) . .

ويذكر السياق لفظ (يمن) تنسيقا للحوار مع جو السورة. جو الحديث عن نعم الله. ومنها هذه المنة على من يشاء من عباده. وهي منة ضخمة لا على أشخاص الرسل وحدهم. ولكن كذلك على البشرية التي تشرف بانتخاب أفراد منها لهذه المهمة العظمى. مهمة الاتصال والتلقي من الملأ الأعلى. وهي منة على البشرية بتذكير الفطرة التي ران عليها الركام لتخرج من الظلمات إلى النور؛ ولتتحرك فيها أجهزة الاستقبال والتلقي فتخرج من الموت الراكد إلى الحياة المتفتحة. .

ثم هي المنة الكبرى على البشرية بإخراج الناس من الدينونة للعباد إلى الدينونة لله وحده بلا شريك؛ واستنقاذ كرامتهم وطاقتهم من الذل والتبدد في الدينونة للعبيد. . الذل الذي يحني هامة إنسان لعبد مثله! والتبدد الذي يسخر طاقة إنسان لتأليه عبد مثله!

فأما حكاية الإتيان بسلطان مبين، وقوة خارقة، فالرسل يبينون لقومهم أنها من شأن الله. ليفرقوا في مداركهم المبهمة المظلمة بين ذات الله الإلهية، وذواتهم هم البشرية، وليمحصوا صورة التوحيد المطلق الذي لا يلتبس بمشابهة في ذات ولا صفة، وهي المتاهة التي تاهت فيها الوثنيات كما تاهت فيها التصورات الكنسية في المسيحية عندما تلبست بالوثنيات الإغريقية والرومانية والمصرية والهندية. وكانت نقطة البدء في المتاهة هي نسبة الخوارق إلى عيسى - عليه السلام - بذاته واللبس بين ألوهية الله وعبودية عيسى عليه السلام!

(وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله) . .

وما نعتمد على قوة غير قوته:

(وعلى الله فليتوكل المؤمنون) . .

يطلقها الرسل حقيقة دائمة. فعلى الله وحده يتوكل المؤمن، لا يتلفت قلبه إلى سواه، ولا يرجو عونا إلا منه، ولا يرتكن إلا إلى حماه.

ثم يواجهون الطغيان بالإيمان، ويواجهون الأذى بالثبات؛ ويسألون للتقرير والتوكيد:

(وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا؟ ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون) . .

(وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا) . .

إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه. المالئ يديه من وليه وناصره. المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بد أن ينصر وأن يعين. وماذا يهم حتى ولو لم يتم في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل؟ والقلب الذي يحس أن يد الله - سبحانه - تقود خطاه، وتهديه السبيل، هو قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بوجوده - سبحانه - وألوهيته القاهرة المسيطرة؛ وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق، أيا كانت العقبات في الطريق، وأيا كانت قوى الطاغوت التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت