الحضارة ك"توينبي"حين يصرخ في بني قومه أنّ مجتمعاتهم إلى زوال، ولا بدّ من التّنبيه إلى نقطة مهمّة بها تفترق هذه الحضارة في هذا الزّمان عن بقية الحضارات وهي تسارع الدّورة الاجتماعية من المبتدأ إلى السّقوط - وهو داخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسارع الزّمن - فما كان يحتاج من الوجهة الاجتماعية إلى سنّة صار يحتاج إلى أقلّ منها بكثير، وهذا سبب اكتشاف السّنن الكونيّة التي أعانت حركة الإنسان، وجعلت تحقيق إرادات قلبه ممكنة الحصول وبسرعة فائقة، ثمّ لعلّ هذا قريب الشّبه بأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم على علامات السّاعة أنّها في آخر الزّمان تتسارع كحبّات العقد منفلتة من عقالها وحبلها، وهذا يفيدنا هاهنا أنّ السّقوط سيكون مفاجئًا حتّى لأكثر النّاس إساءة ظنّ بهذه الحضارة، {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} ولعلّ انفجار أوكلاهوما كشف لنا شيئًا عن التيّارات الخفيّة المتنامية في داخل هذه المجتمعات، والتي ستكون هي البدائل الحقيقيّة لهذه المركزيّة الصّارمة، لأنّ الرّوابط بين المركز وغيره تتزايد ضعفًا وهشاشة، وقبل انفجار أوكلاهوما ما حصل في لوس أنجلوس من ثورة فجّرها الرّجل الأسود ضدّ الظّلم والقهر المفروض عليه في مجتمعه وأهل بلده، أمّا في أوروبا فالكلام عليها لا تحتمله هذه الورقات من كشف هذه التّيّارات الخفيّة، ويكفي أن نعلم أنّ تيّارات التّعصّب الدّينيّ والعرقيّ قد أوجدت لها مقاعد في داخل السّلطات التّشريعيّة في البرلمان وغيره، بل إنّ بعضها قد صار أمل وصوله إلى الحكم وشيك الوقوع.
ب - عند سقوط هذه الدّول من مركز وولايات ما هو البديل؟ وبعيدًا عن الأوهام والأحلام نقول لن تسقط ولاية كاملة بيد بديل واحد سواءً كان إسلاميّ أو كفري، فالبديل هو التّوحّش، وسبب هذا الجزم أنّه لا يوجد تجمّع واحد قادر أن يحتوي هذه الثّمرة النّاضجة إلى جرينه، والذين يتصوّرون أنّ الإسلام هو البديل الوحيد لهذه الحضارة الشّيطانيّة، هم واهمون، وسبب وهمهم لأنّه لا يوجد مقدّمة موضوعيّة لهذا الأمل، وليس هذا حديثًا عن الإسلام وقدرته، ولكنّه حديث عن المسلمين وعجزهم، وحتّى تكون الصّورة أقرب إلى الأذهان فبين يدي الباحث عدّة أمثلة تبيّن لنا عجز الحركات الإسلاميّة عن تلقّي الثّمرة وهي ساقطة سقوطًا حرًّا علاوة على عجزهم من قطفها بأنفسهم، هذه الأمثلة: أفغانستان، والولايات الإسلاميّة الخارجة من الحكم الرّوسيّ. أمّا أفغانستان: قد شاركت الحركات الإسلاميّة في سقوطها، وقد سقطت، لكن هل كان المسلمون وعلى الخصوص أهل السنّة والجماعة عندهم من المقدّمات ما يؤهّلهم لوراثة هذه الثّمرة .. النّظرة تكفي الجواب.
الولايات الإسلاميّة الخارجة من الحكم الرّوسيّ: فقد سقطت مركزيّة الحضارة الشّيوعيّة وتناثرت حبّاتها، فهل يوجد حبّة واحدة من هذه الثّمار وقعت بيد المسلمين؟ اللهمّ إلاّ طاجكستان، ولكنّ الفرحة لم تتمّ.