المتمعّن لقصص الأنبياء في القرآن الكريم يجد للأنبياء عليهم السّلام قضيّة محوريّة يلتقون حولها جميعًا، ويدعون النّاس إليها، ألا وهي كلمة التّوحيد، ثمّ إنّنا نرى كذلك أنّ النّبيّ كان يأتي ويحمل قضيّة أو قضايا مهمّة مع التّوحيد، وكانت تشكّل هذه القضيّة الأخرى امتحانًا لموضوع الاستجابة لألوهيّة الله على عباده، فلوط عليه السّلام كان مع دعوته للتّوحيد داعيًا إلى التّخلّص من الرّذائل الخلقيّة المعروفة مثل إتيان الذّكران والتّبارز بالضّراط في المجالس، وهي التي قال فيها الرّب سبحانه وتعالى: {وتأتون في ناديكم المنكر} ، فهذه القضايا التّشريعيّة تشكّل الامتحان لمدى الاستجابة لكلمة التّوحيد، ولقضيّة تأليه ربّ العالمين.
وقد حدّثنا القرآن الكريم كثيرًا عن موسى عليه السّلام، وتكرّرت أحاديث القرآن عن هذا النّبيّ العظيم، وهو من أولي العزم من الرّسل، وكانت قضيّة التّوحيد هي مدار دعوته، وحمل معها قضايا مهمّة أخرى، ومن أهمّ هذه القضايا التي نازع موسى عليه السّلام الأرباب الباطلة بها هي إخراج بني إسرائيل من حكم الطّاغية: قال تعالى: {ثمّ بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، وقال موسى يا فرعون إنّي رسول من ربّ العالمين، حقيق على أن لا أقول على الله إلاّ الحقّ قد جئتكم ببيّنة من ربّكم فأرسل معي بني إسرائيل} الأعراف.
وقال تعالى: {اذهبا إلى فرعون إنّه طغى، فقولا له قولًا ليّنًا لعلّه يتذكّر أو يخشى، قالا ربّنا إنّ نخاف أن يفرط علينا أو يطغى، قال لا تخافا إنّني معكما أسمع وأرى، فأتياه فقولا إنّا رسولا ربّك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذّبهم قد جئناك بآية من ربّك وسلام على من اتّبع الهدى} طه.
ثمّ حكى الله تعالى هذه القضيّة في سورة الشّعراء آمرًا موسى وهارون عليهما السّلام: {فأتيا فرعون فقولا إنّا رسول ربّ العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل} .
فهذه قضيّة حكاها القرآن الكريم في ثلاثة مواطن، قضيّة إخراج بني إسرائيل المعذّبين من حكم فرعون الطّاغية، وهي كذلك ههنا في هذا العصر، قضيّة مهمّة، عظيمة القدر؛ قضيّة إخراج المساجين والأسرى والمعتقلين من سجون أهل الكفر والشّرك، ومن سجون المرتدّين.
والسّجن هو إحدى صور العذاب التي يمارسها الطّغاة ضدّ الموحّدين، قال تعالى على لسان فرعون: {لئن اتّخذت إلهًا غيري لأجعلنّك من المسجونين} الشّعراء، وقال تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} الأنفال.
وههنا نكتة بديعة على الأنبياء، وهم أعظم النّاس قدرًا وأرفعهم منزلة وأوثق النّاس بربّهم، هذا الفعل هو الهروب والتّخفّي، فموسى عليه السّلام خرج من مصر في أوّل الأمر {خائفًا يترقّب} ثمّ خرج ببني إسرائيل على وهدة من عيون فرعون وقومه، وكذلك خروج محمّد صلى الله عليه وسلم من مكّة متخفّيًا خوفًا من قريش وبطشها، ولم يعتبر هذا الصّنيع قادحًا في حقّ هؤلاء الأنبياء، أو بخادش رجولتهم وعصمتهم وعظمتهم، وأقول هذا الكلام تنبيهًا على ما سمعت أنّ بعض قادة الأحزاب