كانت للسجن بصمات واضحة المعالم في شخصية الزرقاوي التي تبلورت لاحقا، وأصبحت شخصية حدية لا وجود للون الرمادي فيها، إذ اصبح رجال الشرطة بكل تخصصاتهم، والقضاة بكل مراتبهم ومواقعهم وكل أركان الحكم، في نظره، أعوانا للأنظمة الحاكمة، التي هي وفق قناعاته طواغيت، يجب محاربتهم.
بعد انتهاء مرحلة التحقيق، رُحّل الزرقاوي إلي سجن سواقة الصحراوي الذي يقع علي بعد خمسة وثمانين كيلو مترا جنوب العاصمة عمان، بعد رحلة شملت عددا من السجون. ما لبث أن التحق به رفاقه المعتقلون علي ذمة القضية ذاتها، وأصبحوا كلهم معا في سجن واحد.
كان سجن سواقة في تلك الفترة يضم أكثر من ستة آلاف معتقل، الجناح السادس كان أهم أقسام السجن، إذ كان يحتضن العديد من المعتقلين السياسيين من جميع ألوان الطيف الإسلامي، كل طيف خصصت له غرفة مستقلة في ذلك الجناح الواقع في أقصي الطرف الشرقي من السجن. إذ كان في أحد تلك الغرف عطا أبو الرشته مسؤول حزب التحرير في الأردن، وهو حاليا أمير الحزب علي مستوي العالم، ومعه عدد من قادة التنظيم، وجلهم جامعيون. وكان في الغرفة المقابلة لهم النائب الأردني الإسلامي المعارض المهندس ليث شبيلات، يشاركه الغرفة أعضاء تنظيم عرف باسم الأفغان العرب، مع أن أيا منهم لم يزر أفغانستان في حياته!! ومعهم أيضا؛ ثلاثة شبان من شمال الأردن، أعتقلوا بقضية عرفت باسم الغام عجلون، وثلاثتهم جامعيون، إضافة إلي الكثيرين المتهمين بتشكيل جماعات إسلامية مختلفة. في حين أن جماعة المقدسي والزرقاوي جلهم لم يكمل دراسته باستثناء المقدسي الذي أنهي تعليمه الجامعي بإحدي الجامعات السعودية متخصصا بالعلوم الشرعية، وأبو المنتصر الحاصل علي بكالوريوس الآداب.
كان المقدسي أميرا لجماعة التوحيد (بيعة الإمام) ، ذلك أن كل جماعة إسلامية سواء أكانت داخل السجن أم خارجه، لا بد لها من أن تؤمر عليها أميرا، تكون له كلمة الفصل في كل مناحي الحياة، كلامه ملزم للجميع، فهو مزود بنص ديني أن علي الجميع طاعته، ومخالفته معصية.
لم يكن المقدسي رجلا عاديا، فهو صاحب نظريات يُعتد بها، يعتبر من المنظرين الأساسيين في العالم العربي والإسلامي للمنهج السلفي الأصولي، له العشرات من الكتب والمؤلفات في هذا الجانب، من أشهرها كتابه (ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين) ، وهو مكرس لفكرة التوحيد لله وحده، مكفرا كل من يحكم بغير الشريعة الإسلامية ويتخذ من القوانين الوضعية دستورا للحكم، وهذه الفكرة المبنية علي فهم محدد للتوحيد يتجاوز أداء العبادات إلي ممارسات حياتية يومية، والتشريع منها بشكل خاص، هي الركن الأساس في فكر الجماعات السلفية التي تتكئ عليها في تكفير كل الأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة، علاوة علي تكفير كل ركائز هذه الأنظمة من مؤسسات وأجهزة بما فيها المجالس النيابية. والكتاب الثاني ذو الأهمية القصوي للمقدسي، هو في تكفير آل سعود حكام العربية السعودية