فمن الله علينا بأن أنار لنا طريق الهداية بعد ظلام دامس خيم عليه الشرك والفسوق والعصيان، وبصر أعيننا وأفئدتنا إلى الحق، في وقت أصبحت فيه عيون كثير من الناس مصابة بالعشى - فنسأل الله العافية - قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} ، وقال تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} . .
فنهضنا بفضل الله عز وجل ندعو الناس للرجوع إلى الله سبحانه وتعالى وإلى متابعة أمره ونهيه والتحذير من عصيانه ومخالفة أمره، قال تعالى: {يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار} ، فلا سبيل للرشاد إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا يطاع غيره، ولا يعبد غيره، ولا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} ، وقال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} . .
ولكن سنة الله ثابتة في أن الحق والباطل يصطرعان إلى يوم القيامة، فما راق لأصحاب الباطل أن يروا أصحاب الحق يدعون الناس إلى التوحيد، وما طاب لأهل الشرك والتنديد أو يروا أهل التوحيد يخرجون الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، قال تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} .
فرجوع الناس إلى ربهم معناه انتهاء جولة الباطل وانتهاء حكمهم وفقدانهم لملذاتهم وشهواتهم، فكيف يعيش رؤوس القوم سواسية مع المساكين والضعفاء، لهم ما للمساكين وعليهم ما على المساكين، قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} (27) سورة هود، وقال تعلى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (28) سورة الكهف.
روى الإمام أحمد وغيره في سبب نزول هذه الآية: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ مَرَّ الْمَلأُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَعِنْدَهُ خَبَّابٌ وَصُهَيْبٌ وَبِلاَلٌ وَعَمَّارٌ فَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ أَرَضِيتَ بِهَؤُلاَءِ فَنَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ) إِلَى قَوْلِهِ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) .
فأرادوا أن يوقفوا هذا السيل الجارف للباطل، المطهر للأرض من الشرك، فعملوا على محاربتنا بشتى الوسائل، قال تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} .
فهذه الدعوة نحملها لنزفها إلى الناس مبشرين بجنة عرضها السموات والأرض إن أطاعوا، ومحذريهم من عقاب الله إن خالفوا واتبعوا أهواءهم