لم يكن التغيير في رحلة الزرقاوي الثانية الي أفغانستان مقتصرا علي العامل الذاتي، المتعلق بتأسيس شبكته الخاصة فحسب، بل كان التغيير أيضا متعلقا بالعامل الموضوعي، فقد ذهب الي أفغانستان في المرة الأولي لمقاتلة السوفييت الذين يحتلون أرض المسلمين، لكن في المرة الثانية قصد أفغانستان، بعد أن حل الأمريكيون في موقع العداء والخصومة، محل السوفييت الذين اندثرت امبراطوريتهم، بسبب عوامل كثيرة، كان الغوص في الوحل الأفغاني من أهم أسبابها. لكن بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) الضربة الأكبر في تاريخ الصراع والتحول في المنطقة، والتي غيرت كل شيء، اصبح ثمة مفهوم جديد للصراع.
لقد طورت الولايات المتحدة استراتيجيتها من سياسة الاحتواء والردع الي سياسة الضربة الاستباقية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسيطرة المحافظين الجدد علي البيت الأبيض. التنظيمات السلفية الجهادية وعلي رأسها القاعدة، هي الأخري كانت قد حزمت أمرها بشكل أبكر من النقاشات التي كانت تدور في واشنطن، فقد انتهجت هذه التيارات وأعلنت وأظهرت بأنها سوف تعمد الي أسلوب الحرب الاستباقية، أي الحرب الهجومية، بشكل ظاهر قبل واشنطن بوقت طويل، فبدأت بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، وأتبعت ذلك بمهاجمة المدمرة الأمريكية يو أس أس كول في اليمن، وتوجتها بهجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) . فالسلفية الجهادية والادارة الأمريكية كلاهما يتبني الاستراتيجية ذاتها وبالتالي كلاهما يشترك في نفس النقطة.
وقع الاجتياح الأمريكي لأفغانستان أواخر عام ألفين وواحد، بهدف القضاء علي حكم طالبان عامة بزعامة الملا عمر، وتنظيم القاعدة خاصة، بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، ولم يلتفت أحد ـ حينذاك ـ الي الزرقاوي كقائد خطر يشكل تهديدًا. في تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 غادر الزرقاوي ومجموعته معسكر هيرات، بعد حصارهم من قبل الأفغان الموالين لقوات التحالف، القادمة من مناطق الحدود المتاخمة لايران. توجه الزرقاوي الي قندهار علي رأس قافلة سيارة ضخمة، تحمل عائلات مقاتليه من نساء وأطفال، علاوة علي الأفغان ممن كانوا ضمن شبكته، كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر والصعاب في ظل اشتداد القصف الجوي، وتقدم المعارضة الأفغانية المتحالفة مع أمريكا، مما زاد صعوبات الحركة والانتقال حيث استغرقت الرحلة ثلاثة أيام.
شارك الزرقاوي ومجموعته الي جانب طالبان والقاعدة في المعارك العنيفة التي دارت في قندهار وتورا بورا، حيث أصيب الزرقاوي في معارك قندهار بكسر في أحد أضلاعه اليسري، جراء سقوط أجزاء من بناء كان بداخله، تعرض لقصف جوي، ولم يصب الزرقاوي في رجله ولم يفقدها، خلاف ما يشاع علي نطاق واسع.
رغم شدة المعارك في تورا بورا، استطاع الزرقاوي الانسحاب مع مجموعته سالما من القصف الأمريكي والطوق الذي فرض علي المنطقة، ويري اتباعه في ذلك دلالة علي حنكته العسكرية.