وَعَدَكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ)
أهمية التضرع الى الله تعالى وشدة الإستعانة به:
لقد رأينا أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يطمئن أصحابه بأن النصر لهم ' حتى أنه كان يشير الى أماكن متفرقة من الأرض ويقول:
هذا مصرع فلان ' وهذا مصرع فلان ' ولقد وقع الأمر كما أخبر عليه الصلاة و السلام ' فما تزحزح أحد في مقتله عن موضع يده كما ورد في الحديث الصحيح .
ومع ذلك فقد رأيناه يقف طوال ليلة الجمعة في العريش الذي أقيم له يجأر إلى الله تعالى داعيًا متضرعًا ' باسطًا كفيه إلى السماء يناشد الله عز وجل أن يؤتيه نصره الذي وعد حتى سقط عنه رداؤه وأشفق عليه أبو بكر الصديق ' والتزمه قائلا: كفى يا رسول الله ' إن الله منجز لك ما وعد ' فلماذا كل هذه الضراعة ما دام أنه مطمئن الى درجة أنه قال:
لكأنى أنظر إلى مصارع القوم ' وأنه حدد مصارع بعضهم على الأرض ؟
والجواب:
أن اطمئنان النبى صلى الله عليه وسلم و إيمانه بالنصر ' إنما كان تصديقًا منه للوعد الذى وعد الله به رسوله ' ولا شك ان الله لا يخلف الميعاد ' وربما أوحى إليه خبر النصر في تلك الموقعة .
أما الاستغراق في التضرع و الدعاء و بسط الكف إلى السماء ' فتلك هى وظيفة العبودية التى خلق من أجلها الإنسان ' وذلك هو ثمن النصر في كل حال .
فما النصر- مهما توافرت الوسائل و الأسباب - إلا من عند الله تعالى و بتوفيقه ' والله عز وجل لا يريد منا إلا أن نكون عبيدًا له بالطبع و الاختيار ' وما تقرب متقرب الى الله بصف أعظم من صفة العبودية'وما استأهل إنسان بواسطة من الوسائط استجابة دعاء من الله تعالى ' كمن استأهل ذلك بواسطة ذل العبودية يتزىّ ويتبرقع به بين يدى الله تعالى .
وما كل أنواع المصائب و المحن المختلفة التى تهدد الإنسان في هذه الحياة أو تنزل به ' إلا أسباب وعوامل تنبهه لعبوديته ' وتصرف آماله وفكره إلى عظمة الله سبحانه وتعالى وباهر قدرته ' كى يفر إليه سبحانه وتعالى ويبسط أمامه ضعفه و عبوديته ' ويستجير به من كل فتنة وبلاء ' وإذا استيقظ الإنسان في حياته لهذه الحقيقة وانصبغ سلوكه بها ' فقد وصل إلى الحد الذى أمر الله عباده جميعًا أن يقفوا عنده وينتهوا إليه .
فهذه العبودية التى اتخذت مظهرها الرائع في طول دعاء النبى صلى الله عليه وسلم وشدة ضراعته و مناشدته لربه أن يؤتيه النصر ' هى الثمن الذى استحق به ذلك التأييد الإلهي العظيم في تلك المعركة ' وقد نصت على ذلك الآية الكريمة إذ تقول:( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من