فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 417

وقد يجد المرء في نفسه قوّة وهو منفرد بدون جماعة وهو وهم وظنّ وتلبيس شيطانيّ لأنّ الشّيطان كالذّئب يأكل من الغنم القاصية.

ثمّ إنّ الجماعة تفرض على المرء صورة جديدة لحياته تجعله أسلمَ بضعفه مع الجماعة من قوّته وهو منفرد، ومسيره معها مثل صلاة الجماعة، فإنّ الرّجل حين يصلّي في جماعة، فإنّ على الإمام أن لا يطيل في الصّلاة، بل عليه أن يخفّف لأنّ وراءه المريض والكبير وذو الحاجة، فالجماعة تجمع الطّريق ففيها القويّ الجلد كذلك، فلو صلّى هذا الجلد منفردًا لأطال وأكثر في القيام والقنوت، ولكن حين يصلّي مع الجماعة فإنّه مقيّد بطول صلاة الإمام وقصرها، وهي فضيلة في حقّه لكونه في جماعة، لأنّها مقصد من مقاصد الشارع تهون بعض الأمور إلى جانبها، ولا ينظر إلى تلك الأمور التي يظنّها بعضهم فوائد للانفراد والذّاتية.

قبل أن ندخل في موضوع شرعيّة الجماعة والتّحزّب والتّنظيم فإننا مدعوّين لهاتين النّقطتين اللتين لا بدّ منهما:

-هناك فرق بين العصبيّة الحزبيّة وبين الحزبيّة والتّحزّب، وليس بينهما ترابط ولا علاقة، فقد يكون الرّجل متعصّبًا لفكرة وهو غير متحزّب، ولا في حزب، وقد يكون الرّجل في حزب وتنظيم وهو غير متعصّب، بل إنّ الجماعة والتّنظيم إن قامت على سوق صحيحة تقتل في الرّجل أنانيّته وتعصّبه لأنّها تجبره دومًا على التنازل عن آرائه الّتي يراها ذهبيّة عظيمة مقابل ما استقرّ عليه رأي الجماعة، والانفراديّة والذّاتيّة تجذّر في المرء حبّ رأيه وتعصّبه له والمدافعة عنه بحقٍّ وباطل، وهذه العصبيّة المقيتة في التّجمّعات هي من الوراثة النّكدة للفرديّة الذّاتيّة، ولكنّ الكثير من النّاس يظنّ أنّ المرء حين يدافع عن فكرة مّا وينافح عنها، هو بسبب تبنّي حزبه لها، وهذا خطأ فالنّاس يدافعون عن أفكارهم هم، ولتبنّيهم تلك الأفكار، لأنّها أفكار حزبهم وتنظيمهم، لكنّ بعض النّاس مرتبتهم التّقليد، وبعضهم مرتبته الاتّباع، وبعضهم مرتبته الاجتهاد، وكلّ مرتبة من هذه المراتب هي مراتب ومنازل ودرجات كذلك، قد يكون الرّجل هو في نفسه مقلّدًا فيدافع عن تلك الأفكار مدافعة المقلّد، بغضّ النّظر عن كونه في حزب أو في غير حزب، فعلينا أن ننظر إلى النّاس في نقاشنا معهم باعتبارهم أفرادًا مستقلّين لا باعتبارهم أفرادًا في جماعات، فيعامل كلّ امرئ بحسبه ودرجته مع التّنبيه أنّ المقلّد قد نبّه أئمّتنا على عدم جدوى نقاشه ومناقشته، لكنّ حظّه من الأمر النّصيحة والتّذكير، لا المناظرة والمجادلة.

-زعم بعضهم أنّ التّحزّب تفرّق، وأنّ التّنظيمات وزّعت الأمّة أوزاعًا وفرقًا، وهذا خطأ بيّن، فإنّ التّفرّق في الأمّة حادث بسبب أنانيّتهم وفرديّتهم، والفرديّة هي الّتي صنعت في الأمّة أمراضها، وأفرزت شرورها.

ثمّ تعالوا لنرى، هل الأولى أن تتجمّع الأمّة في ألف تنظيم وحزبٍ أولى، أو يكون كلّ امرئ على هواه وشخصه، حيث يكون فيها ألف ألف شخص، كلٌّ على رأسه وهواه، ثمّ هل زاد دعاة هدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت