ولقد نال فن القصة بعد ذلك جانبًا من عناية الناطقين بالضاد، فكانت السير النبوية ثانية المحاولات الموفقة لخلق فن جديد في اللغة العربية، على أن هذه السير كانت فتحًا لباب واحد من أبواب فن القصة، هو القصص التاريخي، كما كان ما فيها من فن لا يزال فجًا محتاجًا لكثير من العناية والموهبة. . وهي مع ذلك جهود لا يمكن أن يغفل ما لها من فضل عميم على القصة العربية الصميمة. .
وسايرت القصة العربية النهضة الفكرية التي دفع الإسلام العالم العربي إليها فتقدمت خطوات ليست ذات أثر كبير، إذ كانت في عصر الأمويين تكاد تقتصر على الرواية والارتجال، ولم يلتفت إليها - كفن جميل له أثره وفعله - إلا بعض الرواة الذين دبجوا قصص الشعراء المحبين، وأسبغوا عليها بعض الصناعة والحبكة والطرافة. .
ثم كان بعد ذلك العصران العباسيان الأول والثاني، حين بلغ الرقي الفكري ذروته، وحين فرغ العرب - الهادئون، الناعمون، المتمدينون - ينشدون غذاء النفس والروح في الفنون الجميلة، وحين ضربوا في كل جانب من جوانب التفكير الحر والابتكار. فكان طبيعيًا أن يبلغ فن القصة أوج عزه وعظمته، وكان طبيعيًا أن يتخصص كبار الفنانين العرب لكتابة القصة وابتكارها، كما تفرغ إخوانهم للموسيقى والغناء، والرسم، والكتابة، والشعر، وسائر الفنون العالية. . وكفى دليلًا على رقي القصة في ذلك العصر الحافل بالروائع والبدائع (ألف ليلة وليلة) إذا قصدنا جانب الخيال والابتكار، ثم (المقامات) إذا نشدنا جانب الصياغة والإتقان.
غير أن المحنة التي لحقت بالعرب والعربية، بانحلال الدولة العباسية، كانت كافية لأن تحطم الآثار العقلية والفنية والفكرية، وأن تأتي عليها إتيانًا ذريعًا. .
وإذا كان الباحث في تاريخ الأدب العربي - بعد المحنة العباسية - يعثر بين الحين والحين على بعض الآثار الفنية المتصلة بالقصة، فليس ذلك إلا ترديدًا لبعض ما خلفته يد الزمن من آثار الفنانين العباسيين. .
والقصة في الأدب المصري، حديثة العهد، قريبة المولد، لأن العصور التي خلفت عصر الفاطميين، قد أفسدت اللسان العربي الذي تكلم به المصريون منذ الفتح الإسلامي، وأدخلت على سلاسته وجذالته لكنة الترك وعجمة الفرنجة. . .