وقعه. وما قيمة القتل في حرب أو نحوها والحياة معرضة للبوار والتلف في كل ساعة؟؟ وتصور كيف يكون إقبال مثل هؤلاء البدو على الحرب وقس إليه ما عسى أن يكون من إقبال غيرهم من أبناء المدنية والترف والبذخ على القتال!. إن الذي يقبل عليه البدوي ليس خيرًا فيما تحس نفسه من الحياة التي كان يحياها. وإذا أضفت إلى هذا فعل العقيدة والإيمان الراسخ بحياة أخرى أطيب وأعز وأكرم فهل يستغرب أحد أن هؤلاء البدو العراة الحفاة الذين لا يملكون إلا السيف والرمح والإيمان المستغرق، اكتسحوا دولا كبيرة وممالك عظيمة، وهدموا بناء كان يبدو شامخًا؟.
ولست ترى في الصحراء قبرًا أو صوى منصوبة تدل على أن فلانًا أو علانًا دفن هنا. والناس يعيشون في هذه الصحراء ويموتون فيها ويفنون تحت رمالها ثم لا شيء بعد ذلك، لأنهم لا يعرفون المغالاة بقيمة الحياة إذ كانت لا قيمة لها عندهم. ولو أنهم اتخذوا المقابر وأعلوها ورفعوها وعنوا بها وكانت عندهم مقبرة مثل مقبرة (جنوى) التي يزورها الناس ليعجبوا ببراعة الفن فيها، لما أمكن أن تخرج من جزيرة العرب تلك الأمة التي انحدرت على العالم المتحضر في زمانها كما يتحدر السيل الجارف فأغرقته. ولم تغرقه فقط ولم تفتح البلدان أو تحكمها فحسب، بل قلبتها عربية صرفًا. وقد استطاع الفرس أن يحتفظوا ببعض صفاتهم وخصائصهم وبروحهم القومية - كما لم يستطع البيزنطيون أن يفعلوا فيما استولى العرب عليه من بلادهم - لأن الفرس كانوا أقل تخنثًا من البيزنطيين. ولست مؤرخًا ولكني أظن أن هذا هو السبب، يضاف إليه أن البلاد التي فتحها العرب من دولة الأكاسرة كانت فارسية وأهلها من الفرس على خلاف ما فتح العرب من بلاد الدولة الرومانية، فإنها كانت أجنبية لا رومانية ولا بيزنطية، فبقاء الشعور القومي في بلاد فارس طبيعي ومعقول والفتح لا يمكن أن يقتله، وانعدام مثل هذا الشعور فيما فتحه العرب من أملاك الدولة الرومانية معقول أيضًا. لأنه لم يكن هناك في الأصل، ولهذا بقيت فارس شوكة في جنب الدولة العربية.
وقد زرت العراق وسوريا - أو كما صارت الآن مع الأسف فلسطين ولبنان والشام - كما زرت الحجاز فلم أستغرب أن ينتقل مركز الثقل في الدولة العربية من الحجاز إلى الشام أولا ثم إلى العراق، فإن طبيعة الأراضي الحجازية تجعل من المستحيل عليها أن تكون